النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11240 الجمعة 17 يناير 2020 الموافق 21 جمادى الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:47AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

العراق يعود إلى عروبته

رابط مختصر
العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441

أخيرًا تتقدم الثورة في العراق في طريق شاق طويل مضرج بالدم، في ولادة لعراق مختلف، يكون منصفًا وعادلاً وخاليًا من الفساد، ومتحررًا من التبعية، استقال رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي بعد نزيف للدماء استمر زهاء شهرين، كانت حصيلته أكثر من أربعمائة وثلاثين شهيدًا، وخمسة عشر ألف جريح، وأكثر من ألفي معتقل. لكن هذه الدماء الزكية لم تذهب هدرًا، وكان لابد منها لإزاحة نظام إرهابي يستهويه القتل والترهيب. كان لابد أن يدفع العراق هذا الثمن الباهظ، وكما يقول الشاعر أحمد شوقي: (وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يُدق). 

عاد إلينا العراق الذي شطّ به النظام السياسي البغيض وخلع عنه هويته العربية. وهو العراق الذي صاغ التاريخ العربي الأكثر وهجًا وتألقًا: الدولة العباسية، التي قادت فيها بغداد حضارة العرب، التي امتد تأثيرها إلى كل العالم، وكانت أحد أعرق الحضارات البشرية. ولم تكن تلك الحضارة هي الأولى لهذا البلد العظيم، فقد صاغ هذا الشعب حضارة ما بين النهرين في الألف الرابعة قبل الميلاد، تلك التي امتد تأثيرها على الحضارة الإغريقية التي بنت أسس الحضارة الغربية الحديثة. 

استطاع شباب العراق الباسل، أحفاد المتنبي الذي علمهم الذود عن الكرامة والوطن: عشْ عزيزًا أو مُتْ وأنت كريمُ /‏ بين طعن القنا وخفق البنود.. و إذا لم يكن من الموت بد /‏ فمن العار أن تعيش جبانا. لم تفلح تعيينات عادل عبد المهدي لقادة عسكريين مؤخرًا، لقمع المحافظات الثائرة. وكانت تلك المجازر التي ارتكبها هؤلاء القادة وبالاً عليه، وأنهت مرحلة فاسدة لم تطرأ على العراق في العصر الحديث. أخيرًا وليس آخر زال عن كاهلنا بعض القلق وبقي منه الكثير، لكن الثورة تسير قُدمًا إلى الأمام، وتنتقل إلى مرحلة متقدمة ناجحة، وذلك لا يعني الأمان أو الضمان،  فالصراع لم ينتهِ ولم يحسم، والكتل السياسية لا زالت في قمة السلطة، وهي لن تستسلم بسهولة ويسر، وستحاول عرقلة الثورة في جميع مراحلها ومفاصلها القادمة.

 واستقالة عادل عبدالمهدي ليست هي الهدف الوحيد ولا الأخير، وها هي الأنباء تأتينا، قبل مرور بضعة أيام فقط من استقالة عبد المهدي، تقول إن الأحزاب والكتل السياسية تبحث لها عن موطئ قدم في السلطة القادمة، وقبل أن تجف دماء الشهداء. وها هم كجري العادة بدأوا يتصارعون على السلطة الجديدة، بترشيح أسماء من كتلهم وأحزابهم لرئاسة الوزارة، ما يعني أنهم ما زالوا مصرين على البقاء في مكانهم الأثير الذي جلب لهم الثروة والجاه والصدارة والشهرة، وإن كان ذلك على حساب الشعب العراقي. 

لكن حراك الشباب لن يتوقف عند هذه المحطة، فهناك محطات قادمة يجب الوصول إليها: حكومة مؤقته تسوس البلاد لفترة انتقالية ليس فيها موطئ قدم للسلطة الفاسدة، إصلاح قانون الانتخابات، ومفوضية جديدة نزيهة تشرف على انتخابات نيابية قريبة. وكما حدث في لبنان عند استقالة حكومة الحريري، يحدث الآن في العراق فالطبقات السياسية الفاسدة سلوكها متشابه. ففي لبنان تحركت هذه السلطة، متمثلة في الأحزاب السياسية (التي كانت سببًا للأزمة)، لتتزاحم على الوليمة الجديدة، وليكون لها موطئ قدم. 

إذن فهناك عدة أسباب تدعو السلطتين في العراق ولبنان للتشبث بالسلطة، لكن رياح الثورة لن تكون هادئة أو رخوة في البلدين، وليس من السهل للسلطة أن تعود بالتاريخ إلى الوراء، كما لا تعود عقارب الساعة إلى الوراء، فحراك الشباب يقف يقظًا، لتفويت كل الفرص. الصراع لم ينتهِ، والحراكان وصلا إلى نقطة اللاعودة، وعلى إثرها، ستتغير الخرائط السياسية لصالح الشعبين، أو ستنكفئ إلى حين، ثم تعود لتخوض جولات أخرى، لكن الفوز في النهاية دائمًا يكون للشعوب، وهو درس التاريخ، فكم من دول وأنظمة وحكومات سادت ثم بادت. 

ما يرد في الأذهان في هذا الوقت العربي العصيب، هو مدى تأثير الثورتين على مسار العرب بشكل عام، بناءً على هذه المستجدات السياسية التي لم تكن قائمة قبل الثورتين. يبدو لي أن مسارًا قوميًا متقدمًا سيحدث وإن لم يكن نهائيًا، ويأتي على رأسه رفض الوجود الايراني في البلاد العربية، بعد أن توضحت تأثيرات هذا الوجود سياسيًا واقتصاديًا، حيث أصبحت أضرار هذا التدخل مؤكدة. 

وهناك تحول آخر شديد الأهمية، فالطائفية التي كانت من حصاد الإسلام السياسي الأصولي،  كانت وبالاً على كل الطوائف في مجملها، فهي التي جلبت الفساد في الداخل، كما جلبت التدخلات الأجنبية من الخارج. وأعتقد أن البديل يلوح في الأفق، وهو نفس ذلك البديل الذي أُسيء فهمه في العقود السابقة: تأسيس الدولة على أساس مدني، فهذا الأساس يوحد الطوائف التي فرقتها المذاهب والمطامح السياسية. 

أيضًا أحد أهم مكاسب الثورتين، عودة الروح العربية التي ظلت خامدة عدة عقود، تلك الروح التي كادت أن تموت مع موت عبد الناصر. العراق رمز التاريخ العربي المجيد عاد بهويته العربية الخالصة. ولعلنا ندرك أن العروبة هي ملاذنا في الشدائد، فلو كن جميعًا أمة متحدة، واحدة، قوية، مرهوبة الجانب، لما طمع فينا الأعداء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا