النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11280 الأربعاء 26 فبراير 2020 الموافق 2 رجب 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

محمد جابر الأنصاري

«ابن خلدون الشرق» يعود من جديد

رابط مختصر
العدد 11204 الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441

لقد فتحت مداركي الأولى في العلم والمعرفة على اسم المفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري الذي ناهز في العام 2019م عامه الثمانين، وهي الأعوام التي قضاها في البحث والتأليف والكتابة، فقد كان اسمه يتردد على لسان الوالد رحمه الله منذ أواخر السبعينات، وإن كان في الفترة الأخيرة قد اختفى من الساحة بسبب المرض - الله اسأل أن يعافيه، ولكن لايزال رمزًا للثقافة والفكر بالمنطقة العربية.

وقد تميزت كتب الدكتور الأنصاري بتشخيص دقيق لواقع الأمة العربية، والاشتغال في البحوث العلمية، وتحليل القضايا، واستشراف المستقبل، وتناول الفكر والسياسة والأيديولوجيا والاجتماع، وقد التقيت بالدكتور الأنصاري في أكثر من محفل فوجدته الرمز الهادئ قليل الكلام كثير التأمل، لا يسخر من أحد، ولا يقلل من مكانة شخص، ولا ينتقض من فكرة أو مشروع، فالتواضع أبرز صفاته، والابتسامة الخفيفة لا تفارق محياه، لا يعادي أحدًا سواء اتفق معه أم لا، وقد استطاع في سنوات قليلة من أن يؤسس مشروعًا فكريًا وثقافيًا رائدًا، ومن يضطلع على نتاجه الفكري يجد أنه عمل لتحقيق ذلك المشروع من خلال كتاباته وإصداراته، ولكنها لم تكتمل بسبب المرض الذي ألزمه الفراش.

لقد كان الشبه بين الدكتور الأنصاري وابن خلدون كبيرًا، فقد تعلّق الدكتور الأنصاري بابن خلدون مؤسس علم الاجتماع والتاريخ وفن الترجمة الذاتية، ولشدة عشقه بابن خلدون سار على دربه ونهجه حتى عرف بـ(ابن خلدون الشرق)، والذي لم تجد مجلة (العربي الكويتية) بأفضل منه لتوكل إليه الملف الخاص بابن خلدون حينما حلت ذكرى وفاته في عام 2005.

لقد ولد الدكتور الأنصاري في العام 1939م بالعاصمة القديمة (المحرق) لعائلة بسيطة، حيث كان والده يعمل في الغوص وصيد اللؤلؤ قبل أن ينتقل الى شركة نفط البحرين، ولد مع بداية الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الأجواء مشحونة بالخراب والدمار والأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم، وفي المقابل كانت البحرين والمحرق تحديدًا تفوح من شوارعها ودواعيسها نسائم الثقافة وعبق الماضي، فقد انطلقت الحركة التنويرية والتعليمية في العام 1919م، وقد بدأ دراسته في (المطوع) الكتاتيب، ثم التحق بمدرسة الهداية الخليفية للبنين، حيث تلقّى علومه فيها على أيدي مجموعة من المدرسين العرب، ومكتبتها التي تحتوي الكثير من الكتب، ليلتحق بعدها بالمدرسة الثانوية في المنامة، ثم أُرسل الى الجامعة الأمريكية في بيروت ونال البكالوريوس والماجستير ثم الدكتوراه في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر.

وقد شهد شطرًا كبيرًا من الحركة الثقافية التي كانت عليها المحرق حينها، الصالونات الأدبية، والمكتبة الخليفية 1954م، والأندية الرياضية وأبرزها نادي البحرين ونادي المحرق، والمجالس الأهلية، والمقاهي الشعبية ومنها قهوة الطواويش وقهوة العلوي وقهوة بوخلف، ودور الفنون الشعبية وغيرها، في هذه الأجواء عاش الدكتور الأنصاري فعاصر الكثير من العلماء والأدباء والشعراء من أمثال الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، والشاعر الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة، والشاعر عبدالرحمن قاسم المعاودة، ورائد الصحافة البحرينية الأول عبدالله الزايد، ورموز الطرب الشعبي من أمثال محمد بن فارس، وضاحي بن وليد، ومحمد زويد وغيرهم.

لقد أسهم الدكتور الأنصاري في تطور الحركة الفكرية والثقافية والتنويرية، ما كان لها الأثر الواضح في تاريخنا المعـاصر، وقد بدأ بالكتابة في الصحف والمجلات وخاصة جريدة (الأضواء)، وصدر له أكثر من 20 مؤلفًا في الفكر والأدب والنقد والثقافة والسياسية، ومنها: كتاب لمحات من أدب الخليج العربي 1970م، وتحقيقه لأشعار ورسائل الشاعر الشيخ إبراهيم بن محمد ال خليفة 1968م، وقام بتأسيس أسرة الأدباء والكتاب مع مجموعة من أصدقائه (حسين راشد الصباغ، حمدة خميس، منيرة فارس آل خليفة، محمد الماجد، خليفة حسن العريفي، يوسف حسن، احمد المناعي، راشد نجم منصور هاشم، محمد عبدالملك، خميس القلاف، خلف أحمد خلف، علوي الهاشمي، قاسم حداد، علي عبدالله خليفة)، وأصبح أول رئيس للأسرة العام 1969م، وأصدر كتاب الخليج - إيران - العرب في 1972م، وكتاب تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي في 1980م، ثم جاء مشروعه الفكري والثقافي من خلال مجموعة من الكتب ومنها: العالم والعرب سنة 2000م الصادر في 1988م، وكتاب التفاعل الثقافي بين المغرب والمشرق 1992م، وكتاب تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها 1992م، وكتاب تكوين العرب السياسي ومغزى الدولية القطرية 1994م، وكتاب التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام 1995م، وكتاب الفكر العربي وصراع الأضداد 1996م، وصدرت له عدة مؤلفات مثل رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية 2001م، وكتاب انتحار المثقفين العرب وقضايا راهنة في الثقافة العربية 2002م، وكتاب لقاء التاريخ بالعصر 2006م.

لقد استفاد الدكتور الأنصاري في صغره من قرائته لكتاب الله فأمدته بلغة عربية فصحى، وتذوق الشعر في سنواته الاولى لكبار الشعراء مثل الشاعر التونسي أبي القاسم الواقدي الذي قدم للأدب العربي كتابه (ديوان الشابي)، وقرأ في التاريخ كتاب (فتوح الشام) للواقدي، ثم اكتشف ابن خلدون من خلال مقدمته التي اعتبرها الدكتور الأنصاري (تفسر كل الظواهر تفسيرًا عقلانيًا ومنطقيًا)، وقد تميز الدكتور الأنصاري بفكره النير والمتسامح وقلبه الكبير وذلك لنشئته في المحرق القديمة حيث العرب والبحارنه والعجم والهنود، ثم المنامة ذات التنوع الديني وتحديدًا منطقة الحورة، فجاور الجوامع والحسينيات والكنائس ومعابد اليهود والهندوس ومقابرهم، ما أكسبته ثقافة التعايش والتسامح التي ترى في كتبه وأخلاقه.

لقد تم تكريم الدكتور الأنصاري في الكثير من الفعاليات، فقد كرمته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في العام 1987م بمنحه الميدالية الذهبية الكبرى، وفاز بجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي العام 1981م في حقل الفنون والآداب والإنسانيات، واختير عضوًا في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ومستشارًا ثقافيًا وعلميًا بديوان سمو ولي العهد، ومن ثم المستشار الثقافي والعلمي لجلالة الملك المفدى، وفي العام 1989م نال جائزة الدولة التقديرية في البحرين، كما نال وسام التكريم لدول مجلس التعاون في العام 1989م، وفي العام 1998م قدمت له جائزة سلطان العويس في الدراسات القومية والإنسانية، كما منحته رابطة الكتاب الأردنيين جائزة منيف الرزار في الدراسات والفكر العام 1997م.

وهذه صفحة أخرى تستحق الاهتمام بها لأنها تشكل جزءًا مهمًا من تاريخ البحرين، وأحسن من وصف الدكتور الانصاري بابن خلدون الشرق لما تركه من إرث ثقافي تتوارثه الأجيال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا