النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11250 الإثنين 27 يناير 2020 الموافق 2 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:16PM
  • العشاء
    6:46PM

كتاب الايام

ما الذي ينتظر لبنان؟

رابط مختصر
العدد 11204 الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441

يبدو أن الطبيعة لم تقبل أن تقف صامتة أمام ما يجري في لبنان، فعبرت عن غضبها بموجة عارمة من الأمطار الغزيرة التي كادت أن تغرق مناطق بأكملها، وساعدت المتظاهرين المحتجين، عندما قطعت السيول طرقًا رئيسية عند العديد من مداخل العاصمة بيروت.

بدأت هذه الأزمة الأخيرة عندما خرج المواطنون اللبنانيون، بطوائفهم كافة في مظاهرات، كان الجامع المشترك لها هو رفض الوضع القائم الذي لم يعد يستحمله المواطن، بعد أن بات يئن تحت ثقل عجزه عن تلبية متطلبات حياته اليومية، وفي المقدمة منها الضروريات تسبق الكماليات.

وكان المطلب المشترك للمحتجين، هو إخراج لبنان من قبضة الاحتكار السياسي الذي تمارسه الطغمة السياسية، والقائم على مبدأ المحاصصة السياسية المرتكزة على قيم طائفية، تحصر رئاسة الجمهورية في مسيحي ماروني، ورئاسة الحكومة في مسلم سني، وتتوازع الطوائف الأخرى كل حسب ثقله المناصب الأخرى، تتقدمها الطائفة الشيعية باحتفاظها برئاسة مجلس النواب.

سيرت هذه المعادلة المعوجة، والمنافية لمنطق التاريخ الحديث، بنية الدولة اللبنانية، وقبل بها المواطن اللبناني منذ نيل لبنان استقلاله السياسي عن الانتداب الفرنسي في الأربعينات من القرن الماضي.

سارت سفينة الوضع السياسي اللبناني، المتجهة نحو ميناء ترتيب البيت اللبناني من الداخل، تسيرها بوصلة محصلة المحاصصة السياسية على المستوى الداخلي، واستجابة مرنة، تقوم على المحاصصة الخارجية. وهي محاصصة تتداخل فيها العوامل العربية من جانب، وتتشابك فيها نظيرتها الدولية من جانب آخر. استمر ذلك الوضع على ما هو، قبل أن يعرف أول انفجار يعبر فيه لبنان عن اهتزاز ركائز تلك المعادلة الملتوية، في العام 1958، وكان كميل شمعون من يحتل كرسي رئاسة الجمهورية حينها. وتخطت لبنان تلك الأزمة السياسية، لكنها لم تتمكن من تحاشي الأزمة الاقتصادية المتربصة بها، والتي انفجرت في منتصف الستينات من القرن الماضي، وعرفت حينها بأزمة بنك إنترا. 

ومضى لبنان متعثرًا، يعاني من تبعات حرب 1958 الطائفية، ويحاول تلافي مستحقات أزمة إنترا الاقتصادية، لكنه أخفق في ذلك، عندما انفجرت، وبشدة فاقت الأزمتين السابقتين في الحدة، وسعة الانتشار، وزمن الاستمرار، الحرب الأهلية في ابريل 1975. ورغم ما بدا من تأثير عامل الوجود الفلسطيني في تفجير تلك الحرب التي ما يزال لبنان يعاني من تداعياتها، إلا أن تطور الأزمة، واستمرارها، بل واتساع نطاق تأثيراتها، بعد خروج الفلسطينيين من لبنان في العام 1982، كان أكبر دليل على أن الأزمة لبنانية في جوهرها، وفي أسباب اندلاع معاركها.

وهكذا وجدنا لبنان يجر ذيول فشل القدرة على تجاوز أزمته لفترة تتجاوز في صلبها ما يربو على نصف قرن (1958 - حتى اليوم).

هذا الفشل أزال الكثير من الأوهام التي كانت تسيطر على تقويم الكثيرين من لبنانيين وغير لبنانيين، الذي كانوا، وما يزال بعضهم يصنف لبنان على أنه دولة مستقرة ومتحضرة، فيضعها في مصاف «سويسرا الشرق».

لكن انفجار الوضع من جديد، وغياب الحكومة لفترة يصعب التكهن بزمنها، بعد أن اعتذر الخطيب عن تشكيل الوزارة، وعاد سعد الحريري إلى الواجهة من جديد. وكأن لبنان، كما يقول المثل «يا دار ما دخلك شر»، او المثل الآخر «الله لا يغير علينا». 

 الكاتب الفرنسي فرنسوا كليمنسو، وهو الخبير في الشؤون العربية يرى «أن مطالب الشعب اللبناني (الأخيرة بطبيعة الحال) واضحة، وهي التخلص من النظام الطائفي بأكمله، كونه السبب الرئيسي للأزمات التي تعيشها لبنان وخاصة الطبقة الاقتصادية والسياسية».

صحيفة «لوريان لوجور» اللبنانية الناطقة بالفرنسية، تعترف في تقرير لها، أن الأمور بعد أن تطورت إلى ما وصلت إليه باتت «تكبل المتظاهرين وتشكل حائط صد ضد تحركاتهم ومطالبتهم البعيدة عن المذهبية، وهو ما يسمح بتطور العنف في البلاد، ما يمهد الطريق إلى تنفيذ تهديدات (حزب الله) بعد أن حذر من الأحداث الجارية التي قد تجر البلاد إلى حرب أهلية جديدة».

يشاطر الصحيفة اللبنانية الرأي الكاتب في جريدة الحزب الشيوعي اللبناني «الأخبار»، محمد علي جعفر، الذي يؤكد على أن لبنان، أصبح اليوم، من جديد «يواجه عددًا من الأزمات الداخلية التي باتت تُشكّل همومًا إضافية تقع على كاهل المواطن اللبناني. أزمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، تُديرها نخبة حاكمة أثبتت فشلها في مقاربة هذه الملفات ضمن إطار مصلحة المواطن. وهو ما تعكسه الفجوة الموجودة بين أهل السلطة والمواطنين اللبنانيين. هذا على الصعيد الداخلي. بالإضافة إلى ذلك، يعيش لبنان ضمن بيئة استراتيجية تواجه تحولاتٍ كبرى، هي أكبر من لبنان وقدراته، خصوصًا في ظل وضوح الاختلافات بين اللبنانيين، فيما يخص مقاربتهم للملفات الإقليمية. بالنتيجة، يعيش لبنان تحت وطأة نخبة حاكمة، أثبتت فشلها في إدارة مصالح لبنان الداخلية والخارجية».

كل ذك يعني، فيما يعنيه، أن الأزمة اللبنانية التي انفجرت مؤخرًا، لا تعدو كونها واحدة، في مسلسل تعود جذوره إلى الخمسينات من القرن الماضي، وتستمد عناصر استمرارها، ومن انفجارها بين الحين والآخر من البنية السياسية التي وضعت أسسها معادلة المحاصصة السياسية التي أعقبت نيل بنان استقلاله.  ومن ثم فليس هناك أي أمل في وضع حد لها، أو الحيلولة دون عودتها، بعد توصل اللبنانيون إلى قناعة حقيقية راسخة تقضي بنسف معادلة المحاصصة من جذورها، والتمرد على القوانين التي وضعتها. وهذا أمر يصعب توافره اليوم، إذ لا تستطيع الظروف اللبنانية الداخلية بالتمرد عليها، كما لا تسمح الأوضاع العربية المحيطة للبنان بالتخلص منها، ولا تقبل المصالح الدولية الكبرى، وخاصة الفرنسية منها، بالخروج من جدران بوتقتها.

ولذلك فما ينتظر لبنان اليوم، هو واحد من أمرين، كلاهما يعيدانه إلى المربع الأول القائم على المحاصصة الطائفية البغيضة، وغير المجدية، على المستوى الوطني:

الأول منهما وصول الطغمة السياسية المسيطرة، إلى ما يشبه الاتفاق فيما بينها يضمن لأطرافها الاستمرار في اقتسام الكعكة، رغم صغرها، وربما مواصلة تآكلها.

أما الثاني، فهو انفجار حرب أهلية جديدة، يشعل فتيلها تحالف «حزب الله» الجديد، ويقود البلاد، من جديد، نحو تلك الحرب، التي لن تخرج نهاياتها، مهما اشتد أوراها، وتعاظمت خسائرها، وما يرافقها من تضحيات لن يملك المواطن اللبناني إلا أن يدفع ثمنها الباهظ، عن دائرة المحاصصة السياسية التي يعاني لبنان من أعبائها منذ ما يزيد على نصف قرن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا