النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11240 الجمعة 17 يناير 2020 الموافق 21 جمادى الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:47AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الأدب وانتشاره العالمي

رابط مختصر
العدد 11204 الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441

حديث برغبة، والرغبة جامحة، ومقالات متلهفة تحمل على أجنحة كلماتها الرغبة والأمل، يجتهد بها كتاب العالم الثالث وأدباؤهم، بأن تفتح أبواب العالمية أمام إنتاجهم الأدبي، وتنتشر دواوينهم الشعرية ورواياتهم ومطارحاتهم الفكرية على الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. تذكرني هذه الرغبة بالعالمية للأدب الوطني كلمات واثقة من أديب النغم الدكتور الموسيقار مبارك نجم في إحدى محاضراته عن إنتاجه الموسيقي الكلاسيكي الذي يتوازى مع الأعمال الموسيقية الكلاسيكية العالمية، قال، في رد على سؤال حول السعي إلى العالمية، بأنه لا يفكر ولا يسعى وليس في وارد ذهنه العالمية، بل أنه فخور بالوطنية، وبأن إنتاجه الموسيقي للوطن ولأبناء الوطن، ويكفيه فخرًا أن يتذوق أبناء وطنه أعماله الموسيقية، رغم أن أعماله الموسيقية عالمية بطبيعتها. كلمات موسيقارنا الكبير توحي بالثقة بالنفس وبالوطن وبالاتكال على أبناء الوطن أولًا وأخيرًا، وبأن الإبداع الجمالي بمختلف صنوفه، من أدب وموسيقى وفنون أخرى، تنبع من منعرجات الحياة في الوطن، وهي في الأساس لأبناء الوطن. ومن وحي هذه الكلمات، التي تتسم بالحكمة وعمق الوعي في الربط بين الوطني والعالمي، نتلمس المعنى الواقعي للعلاقة بين الوطنية والعالمية. الإبداع الجمالي، من أي حدب وصوب كان، هو بمثابة شجرة مغروسة في تربة الوطن، ولهذه الشجرة ثمار، وأبناء الوطن هم أول من يتذوقها، فإذا كان المذاق مقبولًا بإعجاب ولهفة، فإن هذا هو المعول الأول في تعبيد الطريق إلى خارج حدود الوطن، فمعيار العالمية يكمن في الوطن لا خارج الوطن. ولماذا القفز على الجوار الإقليمي والانبهار بالعالمي، أليس الجار أحق بثمرة الجار من أقصى البعيد! 

لا شك أن انتشار الإنتاج الأدبي على المستوى العالمي لأي شعب يضيف مكانة مرموقة عالميًا لذاك الإنتاج الأدبي، ويرفع من مكانة الأدب الوطني ومن وطن الأدب، ولكن هل هذا هو الهدف من الإبداع و الإنتاج الأدبي؟! إذا ما وضعنا ثمار الأدب بين دفتي الرجاء والأمل، فإن الرجاء أقرب إلى التحقق، بينما الأمل في معظمه بعيد المنال، قد يتحقق وأكثر الظن والتوقعات أنه يبقى دفين النفس لا يتحقق، والرجاء في الوطن والأمل خارج الوطن إلى حدود ما بعد الجار. إن الذي رَغَّبَ بعض الكتاب والأدباء التفكير في عالمية أعمالهم الأدبية، آملين بزوغ فجر ذلك اليوم الذي تقرأ فيه الشعوب رواياهم ودواوينهم الشعرية، هو انتشار أعمال أدبية لبعض الشعوب على المستوى العالمي، ومن أجل تحري الدقة في معنى العالمية، فإن المستوى العالمي ليس بالضرورة تغطية جميع دول العالم، ولكن مناطق اللغات الحية أساسًا، وطبعًا اللغة العربية تنتمي إلى عائلة اللغات الحية. 

العالمية هي حقيقة واقعة وتنبع من حسية ذات وجهين، الوجه الأول هو التذوق الجمالي في الأعمال الأدبية لشعوب خارج الوطن، وهذا الوجه يغطي الأدب في التاريخ القريب والحديث، والوجه الآخر هو الفضول البحثي في نبش التاريخ بكل ما يحمل من حرب وسلام وأدب، فعلماء التاريخ وأطنابهم من الباحثين والمفكرين في تاريخ الشعوب، عندما ينبشون في التراب ويتمعنون في الآثار، يستخرجون من تحت غبار الزمن مؤلفات أدبية متعددة، ومعظم الأعمال الأدبية تندرج تحت نصوص دينية وشعرية قريبة من الأفكار والتصورات الدينية، وكثير من الأساطير، فمثلًا إن أكثر الكتب انتشارًا على المستوى العالمي هو كتاب التوراة (العهد القديم) والإنجيل (العهد الجديد) والقرآن، ويأتي بعد هذه الكتب الدينية، الدامابادا البوذية والأڤستا الزرادشتية. ومن أكثر الكتب الأدبية غير الدينية انتشارًا، والتي تنتمي إلى التاريخ القديم، هي المؤلفات الإغريقية والرومانية، تقريبًا كل شعوب العالم على علم، إن لم يكونوا على اطلاع، بالإلياذة والاوديسة للشاعر الإغريقي الضرير هوميروس الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، إضافة إلى الأعمال الفلسفية لأفلاطون وأرسطو، وقبلهما سقراط الذي لم يدون أي كتاب بل كتب أفلاطون عن حواراته الفلسفية وقصة محاكمته الشهيرة والحكم الصادر ضده بالموت بتناول كأس السم، إضافة إلى المسرحيات والروايات والأشعار لعدد من الأدباء، والجانب الروماني - اللاتيني، في عصور ما بعد العصر الإغريقي، قد أتحف العالم بمؤلفات شيشرون وهوراس وأوڤيد، من مسرحيات وشعر وكتابات تاريخية. وللحضارة العربية - الإسلامية نصيب من هذه العالمية، فبالإضافة إلى القرآن الكريم، هناك مؤلفات إبن سينا وإبن رشد وإبن خلدون وبعض الشعراء، وأفكار الحسين بن منصور الحلاج الملقب بشهيد التصوف الإسلامي، وفي إطار هذه الحضارة العربية - الإسلامية تعرف كثير من شعوب العالم على الأدب الفارسي في أشعار الخيام وسعدي وحافظ و جلال الدين الرومي، الساحة الأدبية الروسية كذلك أتحفت العالم بروايات إنسانية عظيمة. أما عصر القرون الوسطى فقد كان للغرب الأوروبي نصيب كبير، بدءًا من إنجلترا وأعمال شوسر وشيكسبير وتشالز ديكنز، مرورًا بفرنسا وأعمال ڤولتير وروسو والشاعر العظيم ڤيكتور هوغو صاحب الملحمة الشهيرة «البؤساء» وغيرهم إلى هذا العصر.  كل هؤلاء الأدباء والمفكرين والفلاسفة لم يكتبوا بهدف العالمية، أبدًا، بل كتبوا لأنهم رأوا ضرورة في تنوير مجتمعاتهم، فكرًا وذوقًا، من ملكاتهم الإبداعية. طبعًا الثورة الفرنسية لعبت دورًا كبيرًا في التعريف بالثقافة في فرنسا خاصة وفي أوروبا عامة، والاستعماريات الأوروبية كذلك ساهمت في تحفيز الفضول عند بقية الشعوب للتعرف على ثقافات المستعمرين، شبكة المواصلات والاتصال العالميين كانت وما زالت لهما التأثير في التبادل الثقافي عالميًا، إضافة إلى الجامعات التي ينتسب إليها أبناء الشعوب من أقاصي دول العالم.

في بداية القرن العشرين، وبالتحديد في عام 1901، فتح العالم الفيزيائي الفريد نوبل بابًا لتمرير الأعمال الأدبية إلى ساحة العالمية، وهو ما يعرف بجائزة نوبل للسلام، طبعًا جائزة نوبل مخصصة لمجالات علمية و ثقافية متعددة، منها جائزة لأحسن رواية، رواية تصب في مجرى السلام العالمي، هذه الجائزة ساهمت في تعريف العالم بروايات الأديب المصري نجيب محفوظ، وهذا لا يعني أن هذه الجائزة هي المعبر إلى العالمية، فقد ارتقت أعمال الأديب الفيلسوف توفيق الحكيم إلى المستوى العالمي، فروايته «عودة الروح» قد ترجمت إلى عدد من اللغات الحية، وقد كان موضوع النقد والتقييم والتقدير في الصحافة الفرنسية، والصحافة الفرنسية هي بذاتها لها ميزتها العالمية... أما عميد الأدب العربي فقد كان له حضور بارز في الأوساط الثقافية والأدبية في معظم دول أوروبا، وحصل على جوائز أدبية وشهادات الدكتوراه الفخرية، وهو صاحب عدد من شهادات الدكتوراه الأصيلة، واختير عضوًا محكمًا في الهيئة الأدبية الطليانية والسويسرية، وهي هيئة عالمية على غرار الهيئة السويدية التي تمنح جائزة بوزان. وهذا يعني أن أبواب العالمية للأدب والثقافة مفتوحة أمام كل الثقافات. كون الأبواب مفتوحة إلى الساحة العالمية، لا يعني بذل جهد فكري - أدبي - ثقافي خاص بالعالمية، فليست هناك وصفة خاصة للعالمية، بل الشاهد أن الثمار الأدبية تفرض نفسها، اعتمادًا على أصالتها الوطنية وجودتها الأدبية وأغراضها الإنسانية، وهي الخصائص التي تنير طبيعتها، وهذا التعريف المقتضب البسيط والصريح يعيدنا إلى قول الموسيقار البحريني الكبير (أديب النغم) الدكتور مبارك نجم الذي عبر بوضوح أنه بذاته لا يسعى إلى العالمية، ولكن خصائص العمل، الأدبي أو الفني، هي التي تفرض المنتج الأدبي أو الفني وطنيًا وإقليميًا وعالميًا..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا