النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11247 الجمعة 24 يناير 2020 الموافق 29 جمادى الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:53PM
  • المغرب
    5:14PM
  • العشاء
    6:44PM

كتاب الايام

التفاتة «الثقافة» احتفاءً بالأنصاري:

الشفاء من منطق البحث عن الحلِّ في كراس المعلّم

رابط مختصر
العدد 11203 الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441

  • المشكلة هي كيف يمكن تحويل مآسينا العربية إلى مختبرات العقل؟!

 

حسنًا فعلت هيئة البحرين للثقافة والآثار – كعادتها في اثراء الحياة الثقافية وتنويعها-باحتفائها بالكاتب والمفكر البحريني الدكتور محمد جابر والأنصاري، وهو مقيم بيننا. لأننا تعودنا في الوطن العربي ألا نحتفي بالأدباء والمفكرين والفنانين، إلا بعد رحيلهم. وحسنًا فعلت (الثقافة) بهذا التكريم، وبهذا الاحتفاء بالأنصاري، وبتسليط الضوء على إنجازه الفكري، لتذكير الأجيال، بأهمية الجهد الذي بذله هذا المفكر الكبير، في المجال الثقافي عامة، والفكري خاصة، بما يتجاوز حدود البحرين، ليشمل الوطن العربي بأكمله.

وللذين لا يعرفون الأنصاري، مفكرًا وباحثًا، نذكر بأن للرجل دورًا تأسيسًا ومحوريًا في الحياة الثقافية البحرينية المعاصرة، انطلاقًا من القناعة بأن الثقافة هي أحد أهم المسارات التي يمكن أن يشكلها التطوير، ويطالها الدعم لتعطي الصورة الحقيقية للبحرين. كما من المهم التأكيد على الدور الفكري لهذا المفكر، ضمن رؤية تميزت بالجرأة والمصارحة، حيث لم يكتفِ الأنصاري بأطروحاته الفكرية وبإسهاماته – مع عدد من المفكرين العرب – في رسم الصورة وتحليل أبعادها واقتراح الحلول والمقاربات التي من شأنها النهوض بالأمة فحسب، بل انخرط كمثقفٍ وكمفكر، في تعزيز المشروع الإصلاحي الذي قاده وما يزال جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين، من خلال تجربته كمثقف وأكاديمي ومستشار، مفضلاً الإسهام في تطوير المجتمع، عن الجلوس فوق الربوة، في علياء الفكر الخالص.

ولذلك يكاد مشروع الأنصاري الفكري يمتاز عن غيره من المشاريع الفكرية النظرية، بكونه يجمع بين (النظر) و(الواقع) معًا في جدلية كاملة. فعلى صعيد الفكر، فقد عبر عنه من خلال مئات المقالات المنشورة، ومن خلال أكثر من عشرين مؤلفًا في الفكر والأدب والثقافة والسيسيولوجيا السياسية، من أبرزها: الفكر العربي وصراع الأضداد، الحساسية المغربية والثقافة المشرقية، التفاعل الثقافي بين المغرب والمشرق، تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القُطرية، التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام، العرب والسياسة: أين الخلل؟ رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية وشواغل الفكر بين الإسلام والعصر، انتحار المثقفين العرب وقضايا راهنة في الثقافة العربية. العالم والعرب سنة 2000، تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي...

ومجمل هذه الدراسات هي مدار مشروعه الفكري حول «نقد الفكر العربي» و«نقد الواقع العربي» معًا، والسعي إلى الإجابة عن الأسئلة الموجعة، مثل: لماذا يتكرر رسوب العرب في اختبارات السياسة؟ لماذا ينفصل القول عن الفعل عند العرب؟ لماذا بقيت الهوية العربية حبيسة التأزم بشكل مستمر؟؟ لماذا نصر كعربٍ على الهروب من المواجهة والمصارحة، و«نكتفي بوضع الأقنعة والتغني بمدننا الفاضلة والانتقال من أيديولوجيا إلى أخرى، ومن وعد إلى آخر، من دون أن نهبط إلى سطح الأرض التي نقيم عليها هذه الوعود»؟

وعندما يحاول الأنصاري الإجابة عن هذه الأسئلة، فإنه يحدد المنهجية المطلوبة من النخب السياسية والفكرية، حيث يؤكد أنّه حان الوقت لتحويل مأساتنا السياسية الذاتية عبر التاريخ إلى «موضوع» في مختبرات علم السياسة والاجتماع والتاريخ والاقتصاد «لنتمكن» من «موضعة» المأساة، وبالتالي الإمساك بها وتشريحها. والاتفاق على العلاج الناجع لها، داعيًا إلى دراسة الإشكال السياسي العربي، ليس في توجهاته المؤدلجة نحو القومية أو الديمقراطية أو الأصولية وإنّما في واقعه الأساسي، في حقائقه الموضوعية والمجتمعية. قبل أن تتلبسه هذه الأيديولوجيا أو تلك. بعيدًا عن القصور المنهجي الذي يعيده في المجمل إلى جانبين: الأول: في عدم توافر القدرة القيادية العامة على توليد النظم والمؤسسات اللازمة ورسم التوجهات السياسية على المدى الطويل، وتثبيت الاستقرار والاستمرار لكيان الدولة ضمن صيغة مرنة وفاعلة في العلاقة بين الحاكم والمحكومين. والثاني: أن الكوادر الوطنية عندما تسلمت زمام الأمور بعد الاستقلال، لم تثبت في إدارتها أنّها أفضل من الإدارات الاستعمارية، بل كانت على النقيض من ذلك في معظم البلاد العربية.

ومثل هذه المقاربة تعكس ما اتسمت به كتابات الأنصاري من الجرأة والصراحة، خاصة عند مواجهة الأطروحات التي انتشرت واتسع نطاق تأثيرها، مثل أفكار الدكتور محمد عابد الجابري حول نقد العقل العربي، وقضايا التراث والديمقراطية والدولة الوطنية والهوية القومية وكذلك أفكار أدونيس، وأطروحاته وانطباعاته، وخاصة تأكيده المستمر: أنّ كل ما هو «ثوري»هو «تقدمي»، وكل ما سواه «رجعي ومتخلف»، إذ اعتبر الأنصاري أن هذا النوع من القول يعتبر تزييفا للوعي وتزويرًا لحركة التاريخ. كذلك الشأن بالنسبة للقضايا الحيوية التي قاربها الأنصاري بواقعية كبيرة، كموضوع الدولة الوطنية والوحدة القومية، حيث نادى بوحدة عربية تقوم على الاختيار الحر، و«ليس على الضم والإلحاق، وعلى أساس ديموقراطي؛ لأنّه لا قيام للعروبة إلا بقبول التعايش والتسامح داخل تنوعاتها القبلية والمناطقية والمذهبية والتعدديات الإثنية الأخرى، وهو أمر يمكن تحقيقه على المدى البعيد».. لأنّ الدولة القُطرية، خلافًا لأي منظور عاطفي، هي التي وحّدت مجتمعيات عربية عديدة، كانت مبعثرة ومتصارعة. ولكن أغلب الحركات السياسية العربية التي ظهرت في القرن العشرين اتصفت مواقفها وأطروحاتها، بالرومانسية والانسياق وراء العاطفة والشعارات الحالمة من دون اعتبار لمنطق الممكن. والحاجة الماسة للبدء بتقوية الداخل الوطني ورصّ صفوفه، من أجل إنجاز النهضة التي: «يجب أن تبدأ بثورة علمية موجهة – قبل كل شيء – وفهم الذات الجماعية للأمة، وإعادة اكتشافها ونقدها، فالعجز عن تحقيق هذه الثورة النقدية، هو ما يقودنا إلى الاستمرار في التخبّط المزمن والتيه بين التصور والواقع، والضياع بين الأيديولوجيا والواقع».. ولذلك ما أحوجنا في النهاية إلى الشفاء من مرض البحث عن الحلّ في كراس المعلّم

وباختصار، فإن هذا الاحتفاء بالأنصاري – أمد الله في أنفاسه – والذي يأتي تقديرًا لمكانته الفكرية ولإسهاماته العديدة في إثراء الحياة الثقافية العربية، قد يكون فرصة سانحة للتحفيز على الالتفات لمشروعه الفكري، بالنظر والتحليل والاضافة، لتتواصل حلقاته وتأثيره منهجا ومضمونا في المستقبل.

 

همس

وليمة اشتهاء،

أقمارها لامعة بلون التراب.

صدرها نيزكان في السماء

مسافران كل ليلة بغرور.

والغيم ليل، وخاتم سليمان.

لهما اعتصار الشوق وكأسي،

والنار تنطفئ لحظةُ الانتهاء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا