النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11240 الجمعة 17 يناير 2020 الموافق 21 جمادى الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:47AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

اليوم العالمي للفساد.. هل يحارب الفساد..؟!

رابط مختصر
العدد 11201 الإثنين 9 ديسمبر 2019 الموافق 12 ربيع الثاني 1441

  • الناس ينتظرون محاربة الفساد بالأفعال لا بالأقوال والشعارات

 

يوم امس - الاثنين - التاسع من ديسمبر صادف مناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد، وهو اليوم الذى أقرته الأمم المتحدة في عام 2003 من اجل محاربة الفساد والعمل على تجفيف منابعه وتطويقه وإغلاق منافذه كونه يعرقل نهضة الشعوب والأمم، ويقضي على كل أمل في الحاضر والمستقبل.

ثمة دول كثيرة تحتفي بهذه المناسبة بشكل او بآخر، ودول اخرى تتجاهل هذه المناسبة، وايضاً هناك دول لا تسمح لأحد بأن يتذكرها او يأتي على ذكرها لا من قريب ولا من بعيد رغم ان الفساد كان ولايزال القضية المحورية بلا منازع في هذه الدول، بل وفي غيرها من الدول، ومن ضمنها دول عربية احتلت مراكز متقدمة في الفساد على مستوى العالم، وما نشهده اليوم من احتجاجات وانتفاضات شعبية في عدد من البلدان العربية الا وكان الفساد احد أهم بواعثها، فساد ضارب أطنابه في كل المفاصل، يطل من كل مكان، فساد سياسيين وبرلمانيين وأصحاب اعمال ونخب مزعومة، فساد ضيع الحقوق وجعل الناس في حالة جوع وعوز وإحباط ووجع..

من مفارقات الزمن ان نجد من يفترض انهم يمثلون شعوبهم وفي صدارة من يحاربون الفساد وقد صاروا جزءاً من منظومة الفساد، ولازالت الذاكرة تحتفظ بالعديد من قضايا فساد برلمانيين، نذكر كمثال - مثال ليس الا - ذلك البرلماني العراقي ( مشعان الجبوري) الذي ظهر وعبر شاشة التليفزيون وهو يعترف وبمنتهى الصراحة بأنه فاسد، وكل من حوله من برلمانيين وسياسيين فاسدون، لا ننسى كذلك الشعارات التي حملتها جماهير غفيرة في لبنان والجزائر ضد نواب مرتشون وفاسدون، لذا ليس بمستغرب ان نجد من يتندر بالقول ان اليوم العالمي للفساد لا يشمل الدول العربية، هى مستثناة من هذه الاحتفالية لأن ما عندها فاق الفساد اسماً ومضموناً..!!

بهذه المناسبة التي نتوقف عندها اليوم، أمامنا أسئلة كثيرة محورها الفساد والفاسدين ستظل مطروحة برسم الإهمال، أسئلة تفرض نفسها في هذه المناسبة وكل مناسبة، من حقكم ان تستخلصوا من طرحها ما تشاؤون..

هل صحيح اننا نريد محاربة منظومة الفساد، محاربة جدية وفعلية وملموسة تعطي للناس بعض الثقة وبعض الأمل..؟!، والسؤال بصيغة اخرى: هل نحن جادون في محاربة الفساد ومواجهة الفاسدين، مواجهة نستعيض فيها بالمضمون عن الشكل، بالفعل عن القول، بالإنجاز عن الشعار، مواجهة تقطع الطريق على من يريد للفساد اعادة انتاج واستدامة..؟!

سؤال آخر: لماذا يكون الحديث عن الفساد ناقصاً على الدوام، لا حديث عن الأسباب، ولا كلام عن الفاسدين، ولا معرفة بما اتخذ من إجراءات بحق من ارتكبوا المخالفات والتجاوزات الوارد ذكرها في تقارير ديوان الرقابة ؟، ولماذا لم يتطرق احد الى المسؤولية الأدبية والسياسية عن كل ذلك الكم من المخالفات والتجاوزات ومنها ما يتكرر سنة تلو سنة ويوثقه ديوان الرقابة في تقاريره خاصة تلك التي ترقى الى درجة فساد من النوع الثقيل؟، وما يحزن المرء ويفجعه انه ليس هناك إقرار بوجود الفساد بيننا، فكيف إذن نحارب شيئاً لا نقر بوجوده، وإن فعلنا فلذر الرماد في العيون..؟ فيما تتسع مواضع الشقوق والتصدعات والهدر والفساد وتمييع اي جهد او اي خطوة تستهدف التصدي للفساد، الأمر طال مواقع يفترض ان تكون بمنأى عن اي من التجاوزات.. 

خذوا النواب مثالاً، وللدقة بعض النواب على مر كل الفصول التشريعة، ألم يظهر لنا بعض النواب بصورة المهادنين او المتوطئين مع الفساد، ألم نجد نواباً وهم يضعون العراقيل امام دورهم المفترض ويعدّلون اللائحة الداخلية للمجلس النيابي ويقيدون ويصعّبون عملية الاستجواب، جعلوه من كسيح الى ميت، ألم نجد نواباً وهم يرفضون انشاء لجنة وطنية لمحاربة الفساد، تلك مجرد أمثلة ليس الا. في الجعبة الكثير، وسيكون لنا وقفة اخرى مطولة حول هذا الملف، وبالنهاية لا احد يعلم من يواجه من، ومن يحاسب من، ومن يردع من..؟! 

ثم أليس أمراً سيئاً بل مفجعاً ان نجد من يزعم ان الحديث عن الفساد والرشاوى والمطالبات بالمساءلات وبالشفافية وبحق الوصول الى المعلومات أمر لا يخدم مصلحة البلد، ويسيء الى مناخ الاستثمار وبيئة الأعمال ويطعن في جهود جذب المستثمرين، وكأن الفساد والرشوة هو أمر يخدم البلد، ويستقطب المستثمرين ويفتح آفاق جديدة في بيئة التجارة والاعمال، وكأنه مكتوب علينا ان نتحدث ونتبرم ونكتب ونقرأ ونشكو الفساد حتى وإن كان فاقع الظهور تسكيناً للخواطر دون ان نغامر بكسر أضلاع الفساد..!!

هل يمكن ان نعي بما يكفي من ان منظومة الفساد التي تتشكل من خلال سلوكيات غير مسؤولة، وذمم تفتقد طهارة اليد والضمير وحالات تسيب في تحمل المسؤولية، وواقع ناطق بسوء الأداء والإدارة في مواقع شتى، تواجهها منظومة قيم يمكن القول انها تشكل ضمير المجتمع، ووعيه بمسؤولياته بما يفرضه ذلك من قواعد الأمانة والانضباط والالتزام وحساب الضمير قبل حساب العدالة او حساب اي جهة رسمية معنية، وأن منظومة القيم هذه أصابها خلل رهيب حين مُسَّت بشراهة وشراسة تحت أقدام الرشاوى ومظاهر المحسوبية والتسلق والوصولية واختلال موازين العمل والتوظيف والتسويف في إنجاز المصالح وسوء استعمال السلطة وإهدار القوانين والوائح، واستغلال الدين وغير مما يعبر عن شراهة منظومة الفساد..؟

أخيراً، وقبل كل شئ، هل الإرادة المطلوبة واللازمة متوافرة حقاً لمحاربة الفساد والإفساد والفاسدين عبر آليات حقيقية وفاعلة تترجم جديتنا في محاربة الفساد والمحسوبية والزبائنية بعزم وتصمم ودون هوادة بعيداً عن الشعارات التى سئمناها..؟!، هذه أسئلة مطروحة لا نتوقع اجابات عليها..!

نعود الى مناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد، معروف انها مناسبة يحتفي بها العالم بهدف إذكاء الوعي بمشكلة الفساد السياسي والاقتصادي والمالي والاداري وحتى الأخلاقي، وتبيان اهمية ترسيخ ركائز الشفافية والنزاهة، مع تجديد الدعوة الى بذل جهود دولية مشتركة لمكافحة الفساد بكل تفرعاته وتشعباته، والمنظمة الدولية ترى في الفساد بانه جريمة خطيرة تقوض التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتنموية في اي بلد، ويؤزم المشكلات الاجتماعية ويعمق الفوارق الطبقية ويزيد من نسبة الفقر ويحرم الناس من مقومات الحياة الكريمة ويخلق كل مهددات الأمن الاجتماعي، كما انه يقوض الديمقراطية بتشويه العمليات الانتخابية وانتهاك حقوق الانسان ويضرب في الصميم الأهداف التنموية، وينشر مشاعر الإحباط..

يضاف الى ذلك ان من بين اهم التحديات التى تواجه اي بلد حين تكون محاربة الفساد آنية وشكلية و«شو إعلامي» لخدمة أهداف سياسية، ولضمان رصيد من الأعمال التي تحسب لهذا السياسي او ذاك من قبيل الإنجازات لدواعي انتخابات او صراعات والزعم بأنها هادفة الى تحقيق الديمقراطية والقضاء على الفساد، وقمة الفساد حين تكون الحرب على الفساد حرب بين الفاسدين، فاسدون يحاربون فاسدين، يصفون الحسابات فيما بينهم، معروفون بالأسماء والمناصب والمواقع والمبالغ والحشود.

يكفي التمعن فيما يحدث اليوم في بعض الدول العربية من انتفاضات واحتجاجات شعبية كان الفساد الذي عشعش في مواقع مختلفة، وبات بمثابة «سرطان» يهدد سلامة ومستقبل شعوب هذه الدول ومسيرة الحقوق والتنمية فيها..

ومن بين أسوأ الأمور أيضاً حين يحاول بعضهم الترويج للتطبيع مع صور الفساد المختلفة من منطلق انه «سلك البلد»، او انه مضطر لإنجاز معاملة دون اعتبار ان ذلك رشوة او فساد، بل إكرامية او مجاملة صغيرة لإنجاز المعاملة دون وجع رأس، وبشكل عام «التطبيع مع الفساد» يتجلى في محاولة إفساد اكبر قاعدة من الناس حتى لا يتحدثوا عن فساد الكبار، او فساد الأنظمة، الغالبية فاسدة، من يسرق دنانير، او ملايين فالنتيجة واحدة «أنت سارق» والسرقة عند المطبعين للفساد كنز لا يفنى..! 

للإحاطة، الامم المتحدة أقرت في 2004 اتفاقية دولية لمكافحة الفساد تضمنت مجموعة من الالتزامات والمبادئ التوجيهية الرامية الى كبح ومنع الفساد، وهي الاتفاقية التي انضمت اليها مملكة البحرين بموجب قانون رقم 7 لسنة 2010 وتم حتى الآن تنفيذ بعض ما تقتضيه هذه الاتفاقية. 

ومن ضمن ماتبقى تفعيل دور المجتمع المدني في محاربة الفساد عبر انشاء لجنة وطنية مستقلة لمحاربة الفساد، صحيح اننا لاننتظر ان تحقق هذه الخطوة المعجزات ولكن وجودها سيكون أمراً محسوباً لصالح اي جهد وطني حقيقي يستهدف محاربة الفساد من جذوره، نعيد القول من جذوره..!

يبقى مهماً التأكيد بأن الحرب على الفساد ليس شعاراً يطلق في المناسبات، او يسوّق في الانتخابات البرلمانية، او يتبناه نواب او غيرهم، او جهات او أطراف ما، بل هي حرب استثنائية مقدسة تخص كل مكونات المجتمع بكل مؤسساته السياسية والبرلمانية والدينية والقضائية والإعلامية والمجتمعية، حرب تقدم فيها مصلحة الوطن على كل المصالح، وهذا لا يحتاج الى شرح، او تحليل، او تفسير..!

الناس ينتظرون تصفية كل أوجه الفساد في شتى المواقع، وعلى كل المستويات، ينتظرون ذلك بالأفعال، لا بالأقوال والشعارات و«الطنطنات» الإعلامية، هل وصلت الرسالة..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا