النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11201 الإثنين 9 ديسمبر 2019 الموافق 12 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

رسالة تحملها ابتسامة جريحة مهانة

رابط مختصر
العدد 11197 الخميس 5 ديسمبر 2019 الموافق 8 ربيع الثاني 1441

طلب صحفي من فتاة، رصدها بين أنقاض الضحايا الحية في مزبلة الحرب العبثية في سوريا، أن تبتسم، فابتسمت، وارتسمت مع الابتسامة صنوف مضنية من الآلام في عينيها... كانت الابتسامة مرسومة على الشفتين مشفوعة بتكور الخدين، ولكن العينين كان ينبعث منهما شرر الآلام الدفينة في أعماق الروح الجريحة... كيف يمكن لابتسامة أن ترسم الألم، وكيف يمكن للألم أن يخرج من ثنايا ابتسامة، إنه لغز، وما لهذا اللغز من تفسير سوى جنون الحماقة التي تستفرد بها حضارة بني البشر بمخرج عبثي، وما الحضارة إلاّ نتاج الذكاء البشري بعد أن ارتقى سلم التطور من مخ بسيط التركيب صغير الحجم يعمل بالفطرة إلى مخ معقد التركيب أكبر حجمًا يعمل بالفكر وتفرعاته من تصور وخيال وحبك وإنتاج للمفاهيم والمعاني والابتكارات، والفكر مع تواصل التفكير وتراكم نتاجه يكتسب قدرات الذكاء، والحضارة هي الخلاصة العصرية لنتاج الذكاء. فمن المذنب في ابتسامة الألم في عينيها، وما ذنبها إذ تتوجع ابتسامتها، ولا يمكن للعين أن تخفي ما في النفس، هل ندين الحضارة أم ذكاء الانسان في هذه الجريمة. والذكاء ملكة عند الجاني والضحية، فقد يتذاكى الانسان الضحية ويخفي ما في النفس من ألم ومهانة بفنون الكلام وتعابير الوجه، ولكن العين تأبى عليها ميزة الصفاء إلا أن تكشف عن الحقيقة المكبوتة في أعماق النفس وترسم صورة واضحة صريحة، وهي رسالة مفتوحة في إشارة خفية... وتأدبًا مع طلب الصحفي ترسم الفتاة البريئة الضحية بِخَطَّي شفتبها ابتسامة، العينان تنطقان بالحقيقة المرة، والشفتان تحاولان التعبير عن ابتسامة مستحيلة، والعين تفضح ما تخفيه الشفتان... كانت ذات يوم وهي في أحضان أبويها وبين أخوتها و أخواتها تشع عينيها بالبسمة قبل شفتيها، والسعادة هالة تزينها، واليوم نزلت عليها لعنة الشقاء المهين دون إثم ولا خطأ ولا مسحة من خطيئة، نزلت عليها اللعنات وهي عاجزة، لا تعرف من أين وممن ولماذا، إنها مهزلة العقاب دون جربمة، إنها البراءة التي تستحق العقاب، إنها استراتيحيات العقول الذكية الكبيرة التي ترى البشر أرقامًا والأطفال صورًا متحركة والبراءة حروفًا في كلمة، إنه جبروت القوة والسلطة التي ترتعب من الثقافة وتضع أصبعها على زناد المسدس عندما ترى مثقفًا يعبر عن رأيه ضد الحرب مطالبًا بعدم العبث بمصير الانسان، إنه الجشع المجرد من الضمير والذي يبهرجه الذكاء بألوان الطموح. 

مع كل هذا الشقاء الذي تنزله الحروب على الأبرياء، فإن وسائل الإعلام بكامل أدواتها وآلاتها ومنتوجها تتعامل مع الحروب وكأنها دورات كرة القدم، وبمنهجية تفرز جمهرة من مشجعين لهذا الفريق وذاك الفريق، فالعالم المشاهد والسامع والقارئ يحصل على منتوج إعلامي مسييس ومبرمج وممنهج للمساواة بين الرياضة والحرب، مع إبراز المتعة وإخفاء الشقاء، فمحصلة أمبراطوريات الإعلام هي «الشقاء الغائب»، فلا فرق بين ملعب كرة القدم وبين المدن المدمرة والجموع البشرية البريئة المهشمة جسديًا ونفسيًا وروحيًا... والشاهد أن إعلام هذا العصر سيؤدي بالوعي الانساني إلى حالة فقدان الحس وموت الروح، وهو حالة الوعي الآلي مثل الذكاء الصناعي. إن تصوير ساحات الحرب والقتل والدمار كأنها ملاعب الرياضة واللهو لهو أشد كارثية من تزويج السياسة بالدين.

ولكن من بين الإمبراطوريات الإعلامية يخرج بين حين وآخر صوت شاذ !!! بحمل بوادر أمل للانسانية، ينقل أنظاره خارج ملعب كرة القدم، ليرى حقيقة الحروب والشقاء الملازم لها، وينقل الحقيقة المرة بصدق وأمانة إلى جموع الناس. وهنا نحن أمام جهود فردية تتمثل في صحفي ذات ثقافة حرة وضمير حي، مثل صاحبنا الصحفي الذي كان ينبش في مزبلة الحرب السورية لينقل من هذه المزبلة رسالة عبر براءة مغتصبة إلى العالم، العالم الذي يشمل مؤلف مسرحية الحرب، الممثلون من جناة وضحايا، والمشاهدون المهووسون بمباراة كرة القدم العسكرية، والمغيبون عن وعيهم وعن الحقيقة. 

هذه الابتسامة المستحيلة هي رسالة إلى الذين يجدون الطموح والحلول في الحروب، وإلى الذين يتربعون على عروش الثروة والجاه من تجار السلاح وساسة الاتجار بالفتن وإشعال الحروب، وإلى الذين يريدون أن يكونوا آلهة على الارض... فهل ستصل الرسالة، والرسالة أمامها عراقيل مادية مغربة محسوسة ونفسية مهووسة مخدرة؟... العلة الكارثية أن الانسان الذي امتلك القوة، بمختلف أنماطها وأشكالها، قد تخـطى حدود السيد والعبد، فهو لا يسعـي أن يكون سيدًا على قطيع من العبيد، بل يسعـي أن يرتقي إلى رتبة الإله الذي يركع ويسجد له العبيد من بني جنسه، إنها نزعة تولدت من تفاعلات القوة التي شرعنت السيادة والتميز وهوس الاستعلاء والاستفراد بنعم الطبيعة واستملاك نتاج عمل الناس، دون أن يكون للمنتج حق في نتاج عمله... إن فرسان الجشع، وهم صانعو الحروب، إذا نظروا إلى هذه الابتسامة الحريحة، فإنهم يزدرون منها ويتوجسون رعبًا من أثارها ويزدادون حنقًا وغضبًا على الصحفي (المثقف) الذي كشف عنها، لأن النتاج الحسي لتفاعل البراءة مع الابتسامة والألم له أبلغ الأثر في النفس، ولأنه يحمل حكمًا لا لبس فيه بأن الحرب جريمة وأن صانع الحرب مجرم يستحق العقاب في جميع المحاكم وعلى رأسها محكمة الضمير...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا