النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11372 الأربعاء 27 مايو 2020 الموافق 4 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:15AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:24PM
  • العشاء
    7:54PM

كتاب الايام

«المكوجي» والشغالة والشاعر الكبير

رابط مختصر
العدد 11194 الإثنين 2 ديسمبر 2019 الموافق 5 ربيع الثاني 1441

  • الشعر الغنائي في زمننا المعاصر، كلمة مشكوك في أمانتها

 

لم يكن «المكوجي» يعلم أن عشقًا من أول نظرة سوف يقذف به إلى عنان السماء، كان كل مُناه نظرة، فابتسامة من خادمة، وكانت كل أحلامه المجنونة أن تصبح تلك الفتاة البسيطة زوجة عمر له، لم يكن سيد مرسي يعلم أن «جواباته» لـ«الشغالة» التي كان يخبئها في «بدلات» مخدومها الشاعر الكبير مأمون الشناوي هي (فاتحة خير) له، هي الطريق إلى مدرج المجد، وهي السبيل إلى الخلود في عالم الكبار، ودنيا الليالي المصرية المجيدة.

ذات يوم نسيت «الخادمة» إحدى رسائل «المكوجي» في «جاكيت» بدلة الشناوي، فإذا به يعثر عليها ويقرأها مرة.. اثنتين.. عشر، ثم اهتدى إلى سؤال «المحبوبة»: من الذي يرسل إليك هذه الرسائل؟ قالت مرتعدة: المكوجي سيد، قال لها تعالي معي أخبريني عن عنوانه، فإذا بالرجل البسيط يهم واقفًا منبهرًا بأن الشاعر الكبير أمام دكانه الصغير، وبدلاً من أن يصفعه دعاه إلى بيته القريب وعقد معه جلسة عمل بعد أن سأله: هل هذا الكلام لك؟

- قال: نعم.

- : أكيد لك؟

- : بالتأكيد لي.

وعلى الفور اتصل مأمون الشناوي بالموسيقار محمود الشريف، وبالمطرب الشعبي الخالد عبدالغني السيد، عارضًا عليهما كلمات الرسالة أقصد القصيدة، فإذا بهما ينبهران بشعر «الواد» سيد لتكون أغنية «ع الحلوة والمرة مش كنا متعاهدين» هي باب السعادة للمكوجي أو الشاعر الغنائي الكبير سيد محمود مرسي بعد أن التقاه موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وبعد أن غنى من أشعاره محمد فوزي وماهر العطار وشادية وفايزة أحمد ووردة الجزائرية وغيرهم الكثيرون.

رحل سيد مرسي عن عالمنا في العام 1995، تاركًا خلفه تاريخًا مجيدًا من الشعر الغنائي الذي أسعد به حياتنا، وألهب بكلماته مشاعرنا، وجعل حياتنا أزهى وأبهى، رحمة الله على سيد مرسي، وعلى مأمون الشناوي، وعلى كل من غنى له، وعلى ملهمته التي لم تتزوجه.

الشعر الغنائي لم يكن سردًا لتصرفات في الشارع، أو نقلاً عن أحداث يومية، أو تعبيرًا بكلمات دارجة، هي طبق الأصل من مسلسل السقوط الإنساني الرهيب، هي لقطة في منتهى البساطة، قدرة خاصة على الرؤية التي لا يصيبها الغبار، والوصول السحري بسرعة الإلهام إلى قلوب الناس، كل الناس.

الشعر الغنائي في زمننا المعاصر، كلمة مشكوك في أمانتها، جملة لا يعترف بها قانون التخاطب الإنساني، هزة أرضية قد تصيب العالم بكوارث الهبوط بالذوق العام، تكرار مُخلّ لألفاظ نابية، سرقة مجهول من مجهول، ورموز لا تقبل التفسير.

الشعر الغنائي في هذا الزمان، ليس «أبنوديًا» ولا «نجميًا»، ولا حتى قريبًا من المزاج العالي لابن بهجت قمر، لكنه علامة على تردٍّ ثقافي، وانحطاط أخلاقي، وانهيار قيمي، وسُبات عميق في ضمير أمة.

كان عبدالرحمن الأبنودي أو أحمد فؤاد نجم، أو أحمد رامي أو سيد مرسي، أو مرسي جميل عزيز أو حسين السيد أو علي السوهاجي الذي ناطح النجوم بأغنيته الخالدة «اسأل مرة علي» لعبد المطلب، أو إمام الصفتاوي في رائعة نازك «فكراك ومش حنساك»، كل هؤلاء وغيرهم ملأوا حياتنا فنًا، وغيروا مزاجنا الخاص، وارتقوا بأحاسيسنا المرهفة، وزودونا بالعلم والفن والجمال والأخلاق وكيفية التقدير للآخر والالتفاف حوله وتضميد جراحه، وانتشاله من عثراته، الشعر الغنائي في زمن القصبجي وعبدالوهاب وبليغ حمدي، ليس هو المشاع في زمن أوكا وأورتيجا، وخنافس الأناضول.

الشعر الغنائي منذ سيد درويش وزكريا أحمد وأبو العلا محمد، وغيرهم كان محفزًا لهؤلاء العباقرة من أساطيرنا في التلحين والتعبير واقتحام أسرار الطبيعة من أجل نغمة حلوة، أو مقطوعة ساحرة، أو «طقطوقة» مُبهرة.

سيد مرسي كان نموذجًا لمجتمع يرتقي من تلقاء نفسه، الإنسان فيه دولة ومؤسسة، طموح وجرعة إنقاذ، سيادة على أرض، وحنو على موهبة، ودافع قوي للنجاح.

اليوم وكل يوم لا نصحو إلا على هراء، ضوضاء وضجة وصراخ يطلقون عليه لحنًا جديدًا لبلوى جديدة.

في القرن العشرين لم تزهق أرواحنا بسبب أغنية، ولم يعتدِ ذئب على طفلة تقليدًا لمشهد عارٍ عن الأخلاق في مسلسل درامي مشبوه، و... لم يدمن الصبية المخدرات لأن فيلم «الكيف» كان على كيفهم.

«المصنفات» اختفت، الترخيص بالأغنية في الإذاعة لم يعد شرطًا لاعتماد المطرب أو الملحن أو الشاعر الغنائي، يكفي أن ينتشر المُهرج على وسائل التواصل الاجتماعي، ويكفي أن تكون جماهيره من الجهلة والمدمنين والمشعوذين وأرباب السوابق، ويكفي أن يكون المطرب «المعجزة» صاحب أغنيات شهيرة يرددها العشوائيون والسكارى والمتسكعون على أرصفة الأفراح الشعبية، والحفلات المشبوهة، والمناطق البوهيمية.

هنا يمكن تصنيف المطرب، وهنا يمكن إصدار شهادة ميلاد له، أي أن وجوده مرتبط بتصفيق مدمن، وتشجيع منحرف، وتمويل لص، وهنا يتوه المجتمع الباحث عن فضيلة الفن، والحالم بأيام عبدالحليم، والمتطلع لنغمة تائهة في زمنٍ لا يعود.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها