النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11319 السبت 4 ابريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

صورة العربي في سرديات أمريكا اللاتينية (6)

رابط مختصر
العدد 11190 الخميس 28 نوفمبر 2019 الموافق غرة ربيع الثاني 1441

يتعرّض ريجوبيرتو الى حالة الوجود العربي العرضي في السرد الكوبي. وصل العرب الأوائل الى كوبا خلال فترة حرب السنوات العشر (1868-1878)، وتزايد العدد والتفاعل في سنوات جمهورية الكولونيالية الجديدة (1902-1958)، ولكن رغم نصف قرن لم يعكس السرد بشكل عميق صورة الوافد اللبناني أو الفلسطيني أو السوري أو أي جنسية أخرى. وسلط قلة من المؤلفين الضوء في عملهم الإبداعي على وصف العربي المقيم في كوبا، كما هو الروائي كارلوس لوبير، مشيرًا بصورة خاطفة إلى ملامح البائع العربي في روايته «خوان كريويو»، عندما تقول زوجة خوان كابريرا عبارة: «التركي لم يرد أن يبيع لي الفوط بالتقسيط». كانت أحداث هذه الرواية تعكس نهايات القرن التاسع عشر والعقود الأولى لجمهورية الكولونيالية الجديدة! ورغم أنه مقطع «مقتضب جدا» إلا أنه عكس الأثر الذي مثله عرب كوبا في البيع بالمفرّق. ومن اللافت تسمية «تركي» في تلك المرحلة التي عالجتها الرواية، إذ الوافد من لبنان وسوريا وفلسطين «كان في حينها يهاجر بجواز سفر الامبراطورية التركية العثمانية». وهناك كاتب كوبي آخر تعرّض لنموذج شخصية «البائع العربي المتجوّل»، هو ميغيل بارنت، ففي روايته «سيرة آبق» تناول من خلال شهادة استبيان مونتخو حضور الباعة المتجوّلين المسمين «أتراكًا» في ثكنات العبيد: «كانت هدايا النساء قمصان النوم والتنانير الطويلة والقصيرة، وعندما يمتلكن الأموال كن يشترين بأنفسهن التنانير القصيرة البيضاء التي كانت أكثر جمالاً وإثارة. وكن يضعن أقراطًا ذهبية في الاذان (الأكسسوارات) التي كانت أكثر جمالاً وإثارة. وكن يضعن أقراطًا ذهبية في الاذان وكن ناعسات. هذه الثياب كن يشترينها من العرب أو الأتراك الذين كانوا يروحون للثكنة من آن الى آخر، حاملين الصناديق المعلقة على أكتافهم بحزام من الجلد عريض للغاية». تشكّل تلك السرديات وثيقة تاريخية حول «اقتحام البائع العربي المبكر لثكنات العبيد بالجزيرة». ذلك البائع المتجوّل الشرقي منذ أوائل 1899 تمكن لاحقًا من إقامة تجارة خاصة في هافانا. غير أن الشاعر والروائي اللبناني انطون عرفات يصبح علامة مميزة في السرد كونه جاء من عالم تلك البيئة العربية المبكرة، فهو مولود في سانتياجو دي كوبا، وهو الكاتب الكوبي الوحيد من أصول عربية، وجدير بإخضاع مادته الروائية للدراسة والتحليل.

تناول عرفات في روايته «الصندوق مغلق» من خلال شخصية ريجينا وكرس الضوء على المهاجر الشرقي، فقد كشفت ريجينا اللبنانية حالة شعور الوافد المقيم للأبد في أرض الغربة. من المؤكد أن أباها اللبناني الأصل لم يعد أبدًا الى أرضه، لأنه ربما فقد «القدرة على العودة، وربما الواجبات والأولاد منعوه». تزداد حالة الاستسلام للوافد للمجتمع المضيف بعد زواجه وتشكيل عائلة. تقول ريجينا: «كنت ألاحظ في أبي ما يلاحظ على الغريب. شيء لا يوصف، لكنه يميزهم، كنت أسأله باستمرار عن أرضه، وكان يجيبني مستسلمًا إجابات مقتضبة أو يتهرّب. لقد وضع لبنان في مكان بعيد في الذاكرة، فأصبحت لا أتحدث معه عن هذه الأشياء». الى جانب اللبناني الفقير ترد بشكل خاطف في رواية عرفات إشارة عابرة لعائلة «خلوف» صاحبة بيت للنزلاء في سانتاجو دي كوبا. ومع ذلك، يقول ريجوبيرتو في بحثه عن كوبا إن من النادر ما يظهر في منتجها السردي صورة العربي الوافد كما هي في دول أمريكا اللاتينية، رواية موضوعها المركزي او حبكتها الرئيسة تتناول شخصيات من أصول عربية، فظل في السرد الكوبي ذلك المهمش والتاجر الصغير كبائع متجوّل. وتكمن في ندرة هذا السرد لصورة العربي في كوبا، يخمنها الباحث «لأن كثيرًا من الكوبيين لم يفرقوا بين الوافدين العرب بطريقة خاصة وسموهم خطأ، الأمر الذي ربما أثّر في الاختيار الأدبي النادر من جانب كثير من الرواة الكوبيين. فالأجيال التي تعايشت مع الوافدين العرب في الجزيرة ظنوهم جنسيات مختلفة عن جنسياتهم الحقيقية. وفي كوبا كان من المعتاد أن ينادوهم بلفظ (المورو)، لكن ليس بمغزى احتقاري بل أخوي، وكانوا ينادون البائع المتجول خطأ (بالبولندي)، يخلطون بينه وبين البائع اليهودي المولود في بولندا». مع ذلك، لم تتجلَّ صورة التاجر الصيني الصغير لدى الكتّاب الذين يصفون المشهد القائم، ولا نستطيع أن نقول إن العرب كانوا أقل مشاهدة من هؤلاء. البائع المتجوّل يتذكره سكان الجزيرة الأصليون، غير أنه يبدو شخصية خاطفة في الأدب الكوبي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها