النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11486 الجمعة 18 سبتمبر 2020 الموافق غرة صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بريطانيا تنذر بالحرب ضد روسيا

رابط مختصر
العدد 11190 الخميس 28 نوفمبر 2019 الموافق غرة ربيع الثاني 1441

  • و هي حالة حرب باردة مازالت قائمة بين روسيا و الغرب الراسمالي

 

في الأسبوع الثاني من نوفمبر هذا العام وعبر تلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية، بعث رئيس اركان الدفاع في المملكة المتحدة، نيك كارتر، رسالة تحذير إلى العالم عامة وإلى روسيا خاصة، والرسالة إلى روسيا أقرب إلى التهديد. رسالة رئيس الاركان تفيد «أن التهديدات الروسية تتصاعد في ظل ظهور أدوات جديدة مثل التضليل المعلوماتي والتخريب والتلاعب والاغتيالات واستخدام المرتزقة، وأن ذلك قد يتفاقم ويؤدي إلى سوء تقدير وحتى نشوب حرب». كارتر بهذه الرسالة لا يعني حالة حرب، وهي حالة حرب باردة ما زالت قائمة بين روسيا والغرب الرأسمالي، مع فارق نوعي وهوأن روسيا أصبحت منافسة للغرب على الساحة الاقتصادية بأدوات رأسمالية؛ فروسيا اليوم رأسمالية مثل امريكا وبريطانيا والاتحاد الاوروبي. الحرب الباردة في ظل الصراع السياسي كان مجديا وكافيا ويفي بالأغراض الرأسمالية، بينما اليوم، ومع التحول النوعي إلى صراع على الاسواق وعلى المصادر الطبيعية، فإن الحرب الباردة ليست مجدية، ولابد من نهج أكثر سخونة. وكل الموبقات التي وصف كارتر بها روسيا هي نهج تقليدي للدول الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا، فهذه الدول الرأسمالية تتبع وتستخدم أدوات التضليل المعلوماتي والتخريب والتلاعب والاغتيالات واستخدام المرتزقة وخلق الفتن. فروسيا الرأسمالية اليوم هي منافسة اقتصادية للغرب وليست روسيا السوفييتية المزعجة سياسيا. 

روسيا الرأسمالية غير روسيا السوفيتية. عهدين في نظامين، ونظامين في عهدين، والدولة هي الدولة، والشعب هوالشعب، بينما النظام السياسي-الاقتصادي تحول من آيدولوجية إلى آيدولوجية نقيضة، وبطبيعة الحال يؤثر هذا التحول في العلاقات الاجتماعية، لأنها انعكاس لعلاقات الانتاج، وللعلاقة بين النظام والشعب؛ وحتى النظام التعليمي ومناهجه يتلون على هوى التحول، وكذلك العلاقات الدولية بين روسيا والمجتمع الدولي ليست بتلك العلاقات في العهد السوفييتي. مع هذا التحول الروسي، من سوفييتي إلى رأسمالي، أضحى الغرب الرأسمالي أكثر قلقا وتوجسا. كانت روسيا السوفييتية تلبي حاجيات الدول الحليفة وتلك التي تدور في فلكها وتعطيها ما تحتاج إليه، أما روسيا الرأسمالية فطبيعتها الجديدة تدفعها أن تلبي حاجياتها الذاتية باستغلال مناطق النفوذ التي تتعسكر فيها، شأنها شأن أي نظام رأسمالي.

وعند الحديث عن الحرب، فإن الحرب مع روسيا، سوفيتية أو رأسمالية، ليست بحرب بالمعنى التقليدي؛ الكل يعلم، وعلى رأسهم رئيس الاركان البريطاني، أنها ستكون خاتمة الحروب، حرب ستنهي الجنس البشري ومعه كل شيء حي من حيوان ونبات من على سطح الكرة الارضية؛ فمستبعد جدا أن يكون رئيس الاركان قد قصد بتحذيره البعد النووي للحرب. العدو الرأسمالي الجديد للرأسمالية الغربية تمتلك، مثل الغرب، ترسانة نووية وما بعد النووي، تقف رادعا وحائلا أمام أي قرار لخوض حرب مباشرة؛ ولكن احتمالية الخطأ في الحسابات والأخطاء غير المتوقعة والمراهنة على روح المغامرة، كلها أمور واردة. إلى اليوم، ومنذ ظهور نووية هيروشيما وناجازاكي، والقوى النووية تعتمد حسابات الردع المتبادل وتتجنب إسقاط حائط الردع. لو كانت فقط دولة وحيدة تمتلك السلاح النووي، لأصبحت تلك الدولة سيدة العالم، وكل الشعوب عبيدا لها، بالمعنى العبودي الذي كان سائدا قبل ألوف السنين، أي قبل معرفة الانسان التحدث والكتابة. 

كانت حرب الدمار ضد روسيا السوفييتية حتمية في ظل غياب الردع النووي، فقد كان القرار الامريكي، بعد هوريشيما وناغازاكي، التخطيط السريع لتدمير روسيا بفعل 300 قنبلة نووية وأسراب من الطائرات المحملة بمئات الألوف من القنابل العالية، والانفجار بغية إخضاعها للهيمنة الامريكية مثلما فعلت مع اليابان، ولكن روسيا السوفييتية تحت قيادة ستالين استطاعت أن تمتلك السلاح النووي في وقت قياسي فاجأ العالم، فتفشل المخطط الشيطاني الذي كان يرمي أولا إلى إخضاع روسيا ومن ثم الهيمنة على كامل جغرافية العالم. القيادة الامريكية والروسية، بعد مخطط الهجوم الموؤود، لم تتطرق إلى موضوع الحرب بينهما، باستثناء الفترة القصيرة والمعروفة بالأزمة الكورية التي مرت بشبه سلام، تمخضت عنها كوريتان، بفضل إرادة القوتين لتفادي المواجهة. مع امتلاك القوتين العظيمتين للترسانة النووية، خيم أجواء اللاحرب بين القوتين، ولكن المنافسة على مواقع النفوذ بينهما لم تطل أمد اللاحرب بينهما، إضافة إلى الصراع الايدولوجي؛ فالتناقضات بينهما كانت حادة تقتضي معها شكلا من المواجهة غير الساخنة من أجل تحقيق بعض المكاسب على الأرض، فتولدت حرب من لون جديد ذات حرارة منخفضة، يتحكم الطرفان في درجة حرارتها حتى لا تصل إلى درجة الغليان. فكانت الحرب الباردة، حرب بعيدة عن حدود البلدين ومحصورة في أسلحة غير نووية، وتنفذها أدوات خارجية بالوكالة.

ورغم مسك الطرفين بحبل التحكم في الحرب الباردة، إلاّ أن شرارة جديدة تصاعدت في أفق العلاقة بين العملاقين، وهي الأزمة الكوبية التي جعلت الطرفين يرخيان الحبل، وكادت حرارة الحرب الباردة تتخطى الغليان إلى السعير النووي. كان لابد من تنازلات متبادلة لتفادي المواجهة، خاصة وأن تقديرات الخسائر على الطرفين كانت كارثية؛ التقديرات كانت تشير إلى 100 مليون قتيل من كل طرف، إضافة إلى الدمار الشامل وتلوث التربة والمياه والجو بالمواد الإشعاعية التي ستجعل استمرار الحياة شبه مستحيل. هذه التقديرات أجبرت القيادتين على اتخاذ قرار التنازل المتبادل؛ السوفييت يسحبون علنا صواريخهم من كوبا، والأمريكان يسحبون صواريخهم من تركيا وإيطاليا دون ضجة إعلامية. 

إن الأزمة الكوبية في ظل الحرب الباردة قد أعطتنا درسا، نتعلم منه فن الممكن في السياسة، ونكتسب منه شجاعة التنازل المتبادل من أجل تفادي خسائر أكبر، أو خسائر كارثية متبادلة، تتهاوى بعدها حضارة بنتها العقول والسواعد خلال ألوف السنين. ومن لا يتعلم من دروس الماضي، فإنه سيكون عرضة لأخطاء كارثية قد تدفع البشرية ثمنها. 

الأزمة الكوبية وضعت العالم بكامل ما تحقق من حضارة أمام مفترق طريق؛ طريق تؤدي إلى نهاية الحضارة ودفن أصحابها، وطريق مواصلة تطوير الحضارة وتحسين ظروف معيشة البشر ومواصلة الحياة، هذا هو الدرس. 

مع هذه الحقائق والدروس، ما الذي يرمي إليه نيك كارتر رئيس أركان الدفاع في المملكة المتحدة؟!!!...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها