النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11240 الجمعة 17 يناير 2020 الموافق 21 جمادى الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:47AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الشرير الأكبر يصف الثوّار بـ«الأشرار»

رابط مختصر
العدد 11189 الأربعاء 27 نوفمبر 2019 الموافق 30 ربيع الأولى 1441

 تأكد بالملموس الذي لا يُدحض أن تكريس المحاصصة الطائفية في الدول التي ترزح تحت النفوذ الإيراني ليست قدرًا ثقافيًا أو تاريخيًا أو اجتماعيًا ابتُليت به هذه الدول، إذ هو صناعة إيرانية بامتياز صُمِّمت في مخابر المخابرات الإيرانية، وثبت يقينًا عقليًا أن الفساد بكل تجلياته الإدارية والمالية الذي يضرب بأطنابه الدول الواقعة تحت النفوذ الإيراني، منتج آخر من منتجات الحرس الثوري الإيراني يهدف إلى تنصيب من يذعن لأوامر حكام إيران ممن خفت أوزانهم الوطنية والمواطنية في مراكز صنع القرار لرعاية مصالح نظام ولاية الفقيه وتسييرها وفق مشيئته. وقد كان بالنتيجة، لحال كهذه، أن يثور الشعبان العراقي واللبناني مطالبين بكنس ما استزرعته زمرة الملالي الإيرانيين في العالم العربي للتأكيد على أن هؤلاء الملالي ليسوا أهلاً لاستلام مقاليد السلطة السياسية ولا أهلاً لإدارة البلدان أيًا كانت وحيثما وُجدت. 

 في موازاة إصرار الشعبين اللبناني والعراقي والتي فيها جرى ما جرى من مواجهات دامية راح ضحيتها المئات من المواطنين طلبًا لتغيير المسار الذي يقود إلى المجهول وتعديل الحال والعودة بالبلدين إلى مسار الدول المتحضرة التي تُحترم فيها حقوق الإنسان، انتفضت الشعوب الإيرانية سخطًا على حكامها الذين يسرقون مقدرات البلاد ويبيعون هذه الشعوب الوهم، فما كان من المرشد الإيراني، الذي يقود البلاد إلى الهلاك، إلا أن يقول واصفًا هذه الاحتجاجات التي عصفت بأكثر من مئة مدينة إيرانية بأنها من فعل الأشرار: «هذا ما يقوم به الأشرار، ينبغي الالتفات إلى هذا الأمر». وهذا التوصيف من جنس ما وصف به ثوار العراق ولبنان من قبل، حيث قال إن الاجتجاجات يقوم بها عملاء ومخربون تحركهم سفارات ودول أجنبية معادية؛ لتسجل مكرًا وكذبًا بأنها نصير للشعوب.

 أول انطباع يمكن للمرء أن يستخلصه من هذا الوصف والأوصاف الحقيرة الأخرى التي وصف بها علي خامنئي الشعبين العراقي واللبناني هي أن هذا المرشد وعلى مدى الفترة التي يضغط فيها على أنفاس شعبه لم يستطع أن يجعل الشعوب الإيرانية ولا الشعوب التي أراد لها أن تدور في فلك سلطته الدينية والسياسية، تتخلى عن «شرورها» التي ستطال في يوم قريب ركائز كرسيّه وتزيحه من فوقه لتتسلم زمام إدارة نفسها بنفسها. علي خامنئي لا يحترم شعبه وستظل أوهام الشر والخيانة مرتبطة عنده وفي خطاباته التبريرية بأي حراك وجهته التخلص من النظام الثيوقراطي الذي تلفظه الشعوب المتمدنة.

 ولو عدنا بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، إلى عام 2011 وهو العام الذي أُطلق عليه كذبًا وبهتانًا «الربيع العربي»، فستتضح مواقف إيران المتناقضة. ففي حين وقفت مع النظام الدكتاتوري في سوريا، وأسهمت في قمع الثوّار وأججت نيران الطائفية فيها، فإنها في مقابل ذلك وقفت بشتى الوسائل والطرق مع الإخوان المسلمين في مصر وتونس وليبيا والمغرب وصارت لهم ظهيرًا يطالب بتسليم السلطة إليهم. إيران وجدت في حراكات ما سُميّ بـ«الربيع العربي» سانحة لتصدير ثورتها، وأحيت أحلامها القديمة في التمدد والهيمنة وزعامة العالم الإسلامي بدلاً عن المملكة العربية السعودية، ولذلك حركت خلاياها النائمة في الخليج العربي وأغدقت دعمًا ماديًا وإعلاميًا ولوجستيًا غير محدود على الجماعات الراديكالية في البحرين والسعودية والكويت في مسعى واضح لقلب أنظمة الحكم والتمكين لعملائها بما ييسر إخضاع دول الخليج العربي للحكم الإيراني. غير أن الجماهير في كثير من دول «الربيع العربي» كانت أشدّ وعيًا من أن يخادعها ويغويها المرشد علي خامنئي إلى الشر المستطير، فسفهت أحلامه وآماله ودحرت خلايا الشر التي زرعتها في جسد الأمة.

 بات الحكم مؤكدًا ولا يقبل الشك في أن ما يجري منذ أسابيع في إيران والعراق ولبنان شهادة على أن كل سلطة تدير الشأن العام باسم الدين أو المذهب لا يمكن إلا أن تكون مستبدة إقصائية فاسدة لا يُرتجى منها إصلاحًا؛ ذلك أن الدين والسياسة، وبصرف النظر عمن يكابر حول هذه الخلاصة المنطقية، خطان متوازيان لا يلتقيان، وإذا ما قُدّر لهما الالتقاء ليًّا لعنق التاريخ، فالخراب والفساد والقمع نتائج حتمية، لن تكتوي بنارها إلا الشعوب ولا يغنم بامتيازاتها إلا رجال الدين. 

 بعد تجارب مريرة مع كافة أحزاب الإسلام السياسي، السنيّة منها والشيعية، علينا أن نُدرك بوضوح أن حلول الخلاص من سرطان الإسلام السياسي يكون من المدرسة في صفوفها الأولى بجعل المناهج الدراسية تعمل على تعزيز فكرة الدولة المدنية وغرس مفاهيمها والمبادئ التي تقوم عليها لدى الناشئة لتكون لديهم الحصانة اللازمة لمقاومة ما يتعرضون له خارج أسوار المدرسة. إن فكرة الدولة الدينية لا تنشأ في المدرسة وإنما خارجها، والحصانة منها لا تكون إلا ببناء ثقافة عقلانية علمية رصينة تتحول بالتدريج من ثقافة مدرسية إلى ثقافة مجتمع بأكمله.

 طريق الشفاء من التعصب والطائفية جلي بائن وما على الدول إلا العمل على الالتزام به وتحصين شعوبها من تلوث عقول أبنائها بدعم المدرسة والاستثمار في المستقبل من خلالها وبها، فبالتربية والتعليم وحدهما تبني الشعوب منعتها وتحصن نفسها من مخاطر الجهل المقدّس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا