النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11240 الجمعة 17 يناير 2020 الموافق 21 جمادى الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:47AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

موت الشاعر وديمومة الشعر

رابط مختصر
العدد 11187 الإثنين 25 نوفمبر 2019 الموافق 28 ربيع الأولى 1441

كتب على شاهد قبر الشاعر الاغريقي العظيم اسخيلوس، وقد كان الى جانب كونه شاعرا، عسكريا شجاعا، ظل النقش المحفور على وجه الرخام الى ابد الدهر درسا للاجيال القادمة والانسانية: «هنا يرقد اسخيلوس تعرفه سالمينا». ومن لا يعرف سالمينا، فهي المعركة التي هزم فيها الاغريقُ الفرسَ شر هزيمة. طوى التاريخ صفحاته ولكن لم ينس حكاياته الخالدة. من قتل الشاعر الاحوازي الشاب حسن الحيدري يدرك ويعلم علم اليقين ماذا كانت تعني للسلطات الظلامية في قم وطهران كلمات وأبيات الشاعر الشاب، فمعركة الكلمة كانت كالنار الملتهبة في التنور، تنور الطرقات والمناطق الاحوازية، كلمات الحيدري انبعثت كالنور في تحريض الشارع والناس وتلهب مشاعرهم المتوقدة المتوثبة. اخافت معركة الكلمة الطغيان والاستبداد، لكونها كلمات قادرة على اختراق الاسلاك الشائكة فتدخل كل البيوت كمشاعل للامل والمستقبل. كان لابد من إسكات هذا الصوت الهابط كقبس النور الجماهيري في وجدان شعبه، فلم تحتمل ضمائر القمع المرتعشة ولا اسلحتها الخبيثة، فلم تستكف بالسجن ولا بالتعذيب، لذلك الشاعر الشاب كان لابد من قتله بالتسميم، تلك التقنية الجهنمية في تصفية البشر، فالسم كثيرا ما تم استعماله في التاريخ للتخلص من الخصوم سريعا ودون أن يترك خلفه اثرا لفاعله، هكذا استبد السم ينهش في جسد الشاعر بعد ايام من إطلاق سراحه، استبد بكل كيانه رغم أن روحه ظلت تهيم في سماء الاحواز وتصرخ شامخة كالنسر، فالشاعر حين يموت، فإن اشعاره تحيا في العالم الخارجي على مدى الزمن، تندد بقاتليه وبغدرهم. لم يخجل الدم في وجوه الطغمة الفاسدة ولا ساسة النظام اخفى قذارته، متواريا يسمع صوت الشارع الغاضب في الساحات، استعادت تلك الاصوات شعر الحيدري، كتبت على جدران بيوتها ايقاعات صوته، نبراته، علّمت الصغار دروسا في كيف يخزنون في ذاكرتهم صورته وهو«يهوس هوساته» التي افزعت نظامًا بكامله. لن تظل ارتعاشات جسدك في النهر وسقف البيوت وحسب بلا معنى ودلالات، فغيابك ميتا كما هو موت الانبياء والقديسين يظل ايقونة لصلاة الثورة في افئدة الاحوازيين. لقد قتل النظام العديد من الشعراء والمثقفين والساسة من قبلك، وسيقتلون اخرين من بعدك، فسلاح التسميم والاغتيال سلاح الخسة والجبن في معارك الابطال. ستكون من سلالة اسخيلوس التاريخية، يرقد جسدك في نهر قارون وفي بيوت سعف النخيل وقوارب الصيادين وهم يبحثون مع الفجر عن رزقهم في وسط ماء يكاد يجف من الاهمال والنسيان والتجاهل. ظل الشاعر الحيدري يسكن في روح الشعب وهو حي، وحينما استشهد مسموما انتفضت روحه مع روح ذلك الشعب، فصوته بتلك النبوءة حاضرة حين قال «بس احجي يذبحوني»، ومع ذلك ظل يصدح كالطير بين البيوت الناعسة في الاحواز يذكرها بالحرية، يذكرهم بأن النظام كان يرغب في اذلاله وكسر شكيمته «اعيش بذل يريدوني»، لكنهم عجزوا في خنق ذلك الصوت الحر كنسر يحلق في الفضاء. إن موت الشاعر واغتيال صوته غاية العاجز، فقد نست سياط الاستبداد إن موت الشاعر حياة في «ديمومة ذلك الشعر الثري»، شعره كورود القرنفل على الشرفات وفي ابتسامات الصبايا الفلاحات والذاهبات لفصول المدرسة. على الحركة الثقافية والسياسية الاحوازية في الخارج ان تتحرك من خلال تشكيل لجنة باسم الشاعر الشاب بل والشعراء الاحوازيين كافة، بجعل حضورهم حيا من خلال المهرجان السنوي، وبانشاء جائزة، وبفتح صفحة خاصة على الفيسبوك يتم فيها نشر كل ما يتعلق بالشاعر وبكل ما ينشر حوله من كتابات ودراسات، فتلك امانة ووصية لروح من قدموا حياتهم للاحواز وشعبه. لا املك ان اقول لعائلته وشعبه غير «حسن الحيدري ايها الشاعر الشجاع والشاب النبيل، المجد لك... المجد لك».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا