النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11316 الخميس 2 ابريل 2020 الموافق 9 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:55PM
  • العشاء
    7:25PM

كتاب الايام

عينٌ على المصارف وأخرى على الوطن

رابط مختصر
العدد 11187 الإثنين 25 نوفمبر 2019 الموافق 28 ربيع الأولى 1441

  •  الكل على أرصفة المعجزة يلتحفون بالسماء ويتعلقون بقشة لا تقصم ظهر البعير

 

مصارفنا بخير، لكن مصرفيينا على المحك، مصارفنا تحقق الكثير للوطن، والوطن يطلب منها أكثر، حقيقة لا تقبل القسمة، وأمر لا ينبغي تأجيل البت فيه، أو الوقوف حدادًا على ما فات، المصارف تساهم في الناتج المحلي الإجمالي للدولة بنسبة 30,7%، وتقوم بتشغيل نحو 15 ألف بحريني، وتعمل على تعميق جسور الود الرقمي بين الشرق والغرب، أموال تنقلها، استثمارات تعززها، وعلاقات تواكبها.

بعد أيام تحتفل مصارفنا بمرور مائة سنة من عمرها المديد، جمعية المصرفيين تحاول على طريقتها أن تُخرج المناسبة بالحُلة القشيبة، والمصارف من جانبها تقدم الرعاية الماسية أو الذهبية للحدث، المصرفيون المشاهير يعتقدون أن هذه المئوية تتويجًا لمسيرتهم المهنية، وتخليدًا لأعمالهم الجليلة في خدمة «الإنسانية».

صحيح أن هناك من مصرفيينا ما شرفونا به على مختلف الأصعدة محلية وإقليمية ودولية، وأن هناك من نرفع لهم القبعات تحيةً وإجلالاً، احترامًا وعرفانًا بما قدموه لبلادهم من خدمات وضعت اقتصادنا الوطني، وسمعتنا المصرفية على منصات مراكز المال العالمية أمثال الشيخ صالح بن عبدالله كامل، وعبدالله عمار السعودي، وعدنان بن أحمد يوسف، وعبداللطيف جناحي، ونور الدين نور الدين وغيرهم، لكن الصحيح أيضًا أن نفرًا قليلاً يحاول تعكير الصفو الذي صنعه زملاؤهم البارون بالوطن، والمخلصون للقطاع، والمدافعون عن مكاسبه وأحلامه، والصحيح أيضًا أن مصالح هؤلاء الشخصية، وخطوات أقدامهم المحدودة، ونظرتهم المتعالية لوثوا بها مياهًا عذبة تدفقت، ومجارٍ نضرة تصحرت، وعقارب ساعة تعطلت.

الصغار من مصرفيينا لا يبصمون بالعشرة على هذا التصور لكنهم يطالبون بحقوق مهدرة، بمواقع أكثر عدالة من التي أتاحها لهم الكبار، المساهمون أيضًا يجأرون بالشكوى، بمرارة الخسائر التي مُنِيَ بها أكثر من مصرف «شبه» إسلامي طوال السنوات العشر الماضية، رغم ذلك رواتب المسئولين عن هذه الخسائر في تزايد، والترقيات والإكراميات التي تذهب «لبني جلدتهم» ومعارفهم والمتلبسون معهم في تبادل المنافع ما زالت تُقرع طبولها على رؤوس المظلومين في المنظومة.

قديمًا قالوا إن هناك بعض المصارف التي لا تقيم وزنًا للمودعين، وعندما تحين مواعيد الحصاد يكتشف المودع بأنه قد شرب المقلب حتى آخره، وأن المصارف الأخرى تمنح هذا المأسوف على أمواله واستثماراته وودائعه، فوائد أكبر بكثير.

يعني لا المستثمرين رابحون، ولا المودعين سعيدون، ولا صغار الموظفين راضون، الكل غاضب من المصارف بما في ذلك المقترضين حتى النخاع.

حالة القناعة لم تعد تهيمن على الصناعة المصرفية، وعين الرضا أصبحت مفقوءة بأي مقياس مهني، وأي دليل علمي، وأي معيار واقعي، الكنز الذي لا يُفنى يواجه الفناء، والاستكانة التي لا مناص منها صارت مُسيجةً بالاحتجاج، والعدالة التي ينشدها أطراف «شبه المنحرف»، أصبحت تعاني من الارتجاج.

عينٌ على المصارف، نجدها تحت المجهر، باهتة مشوشة، أو مُختلف عليها، وعين على الوطن، فإذا به حزينًا غير راضٍ عن الأداء الإنساني لهذه المصارف.

في الكليات أو الإجماليات تحقق مصارفنا عجائب ومعجزات، وفي التفاصيل تفشل هذه المصارف في تحقيق أدق وأقل أحلام صغار موظفيها، وفتافيت مستثمريها، وآمال المودعين فيها.

السبب أوضاع دولية، وعناصر محلية، وصغائر على مختلف المستويات. الكارثة أن رؤساء هذه المنظومة المعقدة يتشكلون ضمن واقع يمنح صلاحيات لا متناهية لهم، وأن القانون الذي لا يحمي المغفلين أصبح بالفعل لا يحمي المغفلين، القانون أي قانون قد أنجزه الإنسان لكي يحمي الضعيف من القوي، الكفيف قبل المبصر، لكنه يجيء هذه المرة كالرياح التي لا تشتهيها السفن، وكالعقاب الذي يقع على المظلوم تاركًا الظالم لحال سبيله. 

بطبيعة الحال هبطت علينا الديانات السماوية لتنظم العلاقات بين الناس، وتعيد الحقوق لأصاحبها، وتقيم العدل على الأرض، لكنها لم تأتِ لتحمي ديناصورًا من أرنب، أو فيلًا من نملة، أو نسرًا جارحًا من فراشة. 

قبل سنوات ليست بالبعيدة قرأت كتابًا للأديب المصري الكبير فتحي غانم يحمل اسم «الأفيال»، وعندما كان الرمز شديد التعقيد في القصة فإن عمليات الضبط والإحضار للمعنى الذي ما زال في بطن الشاعر كانت تستعصي على القارئ، بل أنها ظلت في عهدة المجهول لسنوات عديدة، فعندما تكون الدراما عصيّة والضفاف بعيدة، قد لا نجد قبطانًا واحدًا يقاوم، ولا جهازًا معاونًا في الخدمة، ولا ناجيًا يتيمًا من سفينة تائهة.

الكل في منتصف الطريق يبحث عن سلالة أكثر نقاء من التي يندرج منها، والكل على أرصفة المعجزة يلتحفون بالسماء، ويتعلقون بقشة لا تقصم ظهر البعير.

ثقافة المجتمع لا تسيطر على عقليات مصرفية متكبرة متجبرة، أحدهم وهو ما زال في مقتبل العمر لكنه في أُبهته المهنية يرفض أن يفصح عن رقم هاتفه النقال، آخر ليس لديه موقع إلكتروني حتى يتجنب القيل والقال، وثالث يرد بعجرفة إذا توصل إليه أحد بالخطأ حتى لا يعاود الاتصال.

لا خطوط تواصل بين مصرفي وإعلامي، ولا خارطة طريق تمنح الأطراف جميعها حق التمييز على أحكام جائرة، لا تمييز على تمييز، ولا استئناف على أحكام قاطعة، عينٌ على المصارف، على العين والرأس، وأخرى على الوطن الذي ينتظر من هذه المصارف ما هو أقل من حقه بكثير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها