النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11451 الجمعة 14 أغسطس 2020 الموافق 24 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:15PM
  • العشاء
    7:45PM

كتاب الايام

باخشب.. أول سعودي يحصل على الباشوية

رابط مختصر
العدد 11186 الأحد 24 نوفمبر 2019 الموافق 27 ربيع الأولى 1441

لأسباب كثيرة تراوحت ما بين الجغرافي والديني والاجتماعي والتجاري ارتبطت حضرموت بالحجاز منذ حقبة ما قبل الاسلام. وحينما بدأت أفواج الحضارم هجراتها إلى جنوب شرق آسيا بحثًا عن لقمة العيش وتحسين ظروفها الاجتماعية، اتجه قسم منها صوب الحجاز للعمل والاستقرار، وكان بين هؤلاء من قدم للتتلمذ على يد علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة أو للتدريس في الحرمين الشريفين. وبمرور الأيام وتقادم السنين اندمجت العائلات الحضرمية المهاجرة في المجتمع الحجازي وانصهرت معه وصارت جزءًا من نسيجه الاجتماعي والثقافي، بل برزت بينهم شخصيات بلغت مراتب علمية عالية أهلتها لتولي مناصب دينية رفيعة في الحرمين المكي والمدني، وأيضا في مدينة جدة، سواء في العهد الهاشمي او العهد السعودي. من ضمن هؤلاء: عبداللطيف بن أحمد باكثير (قاضي قضاة الشافعية بمكة)، ومحمد بن أبي بكر الشلي (تولى التدريس بالحرم المكي)، وحسين بن محمد الحبشي (تولى الإفتاء للشافعية بمكة)، وعمر أبوبكر باجنيد (تولى التدريس في الحرم المكي ثم عينه الشريف حسين بن علي مستشارًا دينيًا له)، ومحمد سعيد بابصيل (تولى مشيخة العلماء في مكة)، وذلك طبقًا لما أورده الأستاذ الدكتور مسعود عمشوش في مقال له نشره في أحد المواقع الالكترونية بتاريخ 19/‏6/‏2011، وقد تضم المقال أيضا إشارة إلى كتاب «علماء الحضارم في جدة» لمؤلفه علي بن سالم العميري (توفي سنة 1373 للهجرة)، من تحقيق خضر بن صالح آل سند الغامدي، وهو كتاب يشتمل على تراجم لشخصيات حضرمية عاشت في جدة ولعبت دورًا في شرح كتب العلم الشرعي من بعد تتلمذها على يد علماء الحرم المكي مثل الشيخ سالم بن عفيف الذي درس قرابة العشرين عامًا على يد الشيخ عبدالحق الهاشمي وعلى يد الشيخين علي عبدالرزاق حمزة وحسن المشاط وغيرهم. وفي الكتاب أيضا ذكر للعالم الشرعي والأديب اللغوي «محمد بن أحمد باشميل» الذي ولد في حضرموت وقدم للسعودية في عهد الملك عبدالعزيز، حاملاً معه مشاعل العلم والثقافة بشكل ملفت للنظر، فتمكن خلال سنوات محدودة من أن يصبح (علامة فارقة في الصحافة السعودية). 

 

 

يقول الدكتور عمشوش (مصدر سابق) ما مفاده إنه في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، قام عدد من الحضارم ممن أثروا من عملهم التجاري في أقطار جنوب شرق آسيا مثل أندونيسيا والملايو وسنغافورة، وتحديدًا أولئك المنحدرين من وادي دوعن، بإرسال أبنائهم للاستقرار في الحجاز، بهدف فتح مؤسسات مالية بسيطة تقدم خدمات الصرافة والتحويل والتمويل للمسلمين الذين يأتون من جميع الأقطار الإسلامية إلى الحجاز لأداء مناسك الحج والعمرة. ويضيف قائلاً: «وقد اختار العثمانيون بعضًا منهم ـ مثل باناجة ـ لإدارة الشؤون المالية لولاية الحجاز. ومن بعدهم نهج الأشراف السلوك نفسه، ففي عهد الشريف عبد المطلب عـُيّن عبدالله بامصفر وزيرًا للمالية، وفي عهد الشريف عبدالله بن عون تولى الوزارة عبدالله باناعمة، وفي عهد الملك حسين بن علي عام 1916م كان عبدالله باشا باناجة وزيرًا للمالية». ويستطرد عمشوش قائلاً إنه في هذه الحقبة، وتحديدًا في بدايات القرن العشرين، حدث شيء آخر ملفت للانتباه هو إرسال حضارم المهجر الآسيوي لأبنائهم الصغار إلى الحجاز للعمل لدى الأسر الموسرة في مكة والمدينة، فكان أن وصلت ثلة ممن ساهمت بنجاح مشهود في مشاريع التنمية الاقتصادية والتجارية والخدمية في المملكة العربية السعودية بعد قيامها مثل: عبدالله بلخير، وأحمد بغلف، ومحمد بن لادن، وسالم بن محفوظ، وأبناء سعيد بقشان وغيرهم. 

 

 

وإذا ما تحدثنا عن الحضارم في العهد السعودي الزاهر، نجد أن أنهم كانوا في مقدمة من أعلن الولاء والطاعة للملك عبدالعزيز آل سعود في الأيام الأولى لدخول جلالته الحجاز، حيث كان عددهم آنذاك نحو خمسة آلاف شخص، طبقًا لبيانات نشرتها الحكومة البريطانية في عام 1930. كما كانوا في مقدمة من اختار حمل الجنسية السعودية بدلاً من الجنسية الحجازية، الأمر الذي جعل الملك عبدالعزيز يدعوهم إلى مجالسه ويعينهم في اللجان الحكومية ويقلدهم المناصب الرسمية. وكان أبرز هؤلاء الأديب والإعلامي والسياسي الشيخ عبدالله عمر بلخير الذي اعتمدت عليه إدارة الملك عبدالعزيز، قبل أن يعينه المغفور له الملك سعود بن عبدالعزيز رئيسًا لديوانه، ويكلفه بإنشاء المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر عام 1374هـ، ليصبح أول وزير للإعلام في المملكة. وكانت هناك، بالإضافة إلى بلخير، شخصيات أخرى مثل الشيخ سالم بن أحمد بن الشيبة بن محفوظ الذي أسس أول مؤسسة مصرفية في المملكة تحت اسم «البنك الأهلي التجاري»، والمعلم محمد بن لادن الذي أسس «شركة بن لادن السعودية» التي كلفتها الدولة بترميم وتوسعة الحرمين الشرفين وشق الطرق المعبدة نحو المشاعر المقدسة، والشيخ أحمد سعيد بقشان الذي أسهم في تحديث الحياة الاقتصادية والتجارية. 

 

 

ومع نمو الحركة التجارية في عموم مدن المملكة وأقاليمها، وارتفاع دخول المواطنين وبالتالي تزايد رغباتهم وحاجاتهم الاستهلاكية، استمرت أعداد المهاجرين الحضارم في السعودية في الارتفاع ففاقت في عام 1936 عشرة آلاف شخص أكثرهم في جدة ومكة المكرمة. وقد قام هؤلاء بالمساهمة الفعالة لجهة توفير السلع والبضائع الحديثة جنبًا إلى جنب مع توفير الكثير من الخدمات التي كانت المملكة بحاجة ماسة لها في بواكير نهضتها.

كانت المقدمة الطويلة السابقة توطئة للحديث عن علم من أعلام التنمية من ذوي الأصول الحضرمية في المملكة العربية السعودية، ورائد من رواد النقل والمواصلات فيها في الزمن المبكر، وشخصية كريمة كانت لها أيادٍ بيضاء على العلم والمتعلمين، والإشارة هنا إلى الشيخ محمد أبوبكر باخشب باشا. وإذا كان شهبندر تجار الحجاز «عبدالله يوسف باناجة باشا» نال لقب الباشوية من قبل الدولة العثمانية زمن الحكم الهاشمي بسبب أمجاده التجارية وشهرته المدوية التي تجاوزت الحجاز إلى تركيا ومصر والهند، والتي حققها بعصامية فذة منذ أن استوطن مع عائلته الأراضي الحجازية قبل أكثر من قرن ونصف القرن من اليوم، ناهيك عن ولائه للدولة العثمانية وبغضه للإنجليز، فإن الشيخ محمد بن أبوبكر باخشب حصل على لقب الباشوية من لدن الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان كنوع من التقدير لشخصه والاعتراف بجهوده لجهة التبرع لأعمال الخير والبر في المملكة المصرية، ومن هنا قيل إن باخشب هو المواطن السعودي الوحيد الذي أنعم عليه بلقب «باشا».

 

 

ولد باخشب في قرية «العرسمة» إحدى قرى وادي ليسر بدوعن في حضرموت في تاريخ غير معروف تحديدًا. واضطر كغيره من الحضارم لترك موطن آبائه وأجداده والهجرة بحثًا عن الرزق الحلال، فقادته طموحاته في أربعينات القرن العشرين إلى شرق أفريقيا، وتحديدًا إلى أريتريا حينما كانت هذه البلاد خاضعة للاستعمار الإيطالي، وينقصها الكثير من الخدمات. وبسب ذكائه من جهة ومثابرته من جهة أخرى تمكن من الحصول على امتياز استيراد وتسويق مصابيح الإنارة العاملة بالكيروسين أو ما يــُعرف بـ«لمبة الغاز». كان هذا الامتياز بداية لإنطلاق باخشب في عالم البزنس. إذ سرعان ما نجح في تكوين ثروة لا بأس بها استخدمها في تعزيز مركزه التجاري من خلال الاستثمار في أعمال الملاحة والنقل البحري، حيث تملك أسطولاً من السفن التجارية مكونًا من حوالي 18 باخرة كبيرة ومتوسطة.

في منتصف الاربعينات هـُزمت إيطاليا في الحرب الكونية الثانية على يد الحلفاء كما هو معروف، فورثت بريطانيا إدارة المستعمرات الإيطالية في شرق أفريقيا، ومن ضمنها أريتيريا التي صارت تحت الانتداب البريطاني. هنا نجد باخشب يشمر عن سواعده ويستغل التطورات الجديدة للتقرب من البريطانيين من أجل الحصول على امتياز تموين سفنهم وبواخرهم وجنودهم، خصوصًا في ظل تمكنه من مخاطبتهم بلغتهم الانجليزية.

يقولون إن النفوذ التجاري والمالي مقدمة للوجاهة والنفوذ الاجتماعي، وهذا ما انطبق على باخشب في أريتيريا، ففي غضون سنوات من العمل والمثابرة قفز من مهاجر قليل الدخل والحيلة في الاربعينات إلى رئيس للجالية العربية في أسمرة في أوائل الخمسينات.

 

 

ورغم أن الرجل كان بإمكانه مواصلة الإقامة والعمل وتعزيز موقعه التجاري في أريتيريا، إلا أنه لسبب ما آثر أن يخرج منها ويتوجه إلى المملكة العربية السعودية في خمسينات القرن العشرين، وتحديدا في عهد المغفور له الملك سعود بن عبدالعزيز (رحمه الله) الذي رحب به وشرفه بحمل الجنسية السعودية أسوة بغيره من أبناء حضرموت من ذوي الرغبة والطموح في خدمة بلاد الحرمين الشريفين والاستقرار بها.

لكن هناك روايات تفيد أن قدومه إلى السعودية كان في الأربعينات، هربًا من ويلات الحرب وتداعياتها الاقتصادية المربكة في أريتريا، وأن الذي رحب بقدومه كان الملك المؤسس عبدالعزيز طيب الله ثراه، خصوصًا بعدما أفصح لجلالته أنه يود الاستثمار في خدمات نقل الحجاج إلى مكة المكرمة من خلال إدخال الحافلات الكبيرة والحديثة (بمقاييس ذلك الزمن)، حيث كان الملك يولي هذا الجانب اهتمامًا كبيرًا من منطلق حرص جلالته على تأمين أفضل سبل الراحة لضيوف بيت الله الحرام، بدليل ظهور العديد من الشركات وأصحاب الأعمال الذين استثمروا في هذا القطاع آنذاك، بدءًا من مطلع الخمسينات التي سمحت فيها الدولة للمواطنين، شركات وأفراد، بالمساهمة في نقل الحجاج فظهرت شركات مثل: خميس نصار، العربية، المغربي، التوفيق، الكعكي، الداخلي، باخشب (انظر صحيفة المدينة 3/‏9/‏2016). 

وهكذا، أسس باخشب شركة حملت اسم «شركة محمد أبوبكر باخشب باشا وأولاده» لإدارة أسطول من الحافلات مكون من 92 حافلة. وبالتزامن نجده يساير ما شهدته مدينة جدة من انقلاب في ثقافتها وأنماطها الحياتية وغزو المنتجات الغربية لأسواقها التجارية في نهايات الاربعينات ومطلع الخمسينات فيفتتح معرضًا للسيارات من نوع «فيات» الإيطالي، ملحقًا به ورشة كبيرة لصيانتها، ومكتبًا لتأجيرها، لينضم بذلك إلى الرجالات الأوائل ممن استثمروا في تجارة السيارات والحافلات في جدة من أمثال محمد محمود زاهد واخوانه (تجارة سيارات جنرال موتورز الأمريكية)، والمقاول محمد علي موصلي (تجارة سيارات فولكس واغن الألمانية)، والحاج عبدالله علي رضا (تجارة سيارات فورد الأمريكية)، وإبراهيم شاكر (تجارة سيارات كرايسلر الأمريكية)، إضافة إلى الشيخ محمد سرور الصبان الذي أسس «شركة الفلاح للسيارات».

ومما قيل عن باخشب إنه كان بصدد التوسع في أعمال النقل والمواصلات لتشمل امتلاك أسطول من الطائرات لتأمين وصول الحجاج إلى جدة من البلاد البعيدة بطرق ميسرة وأكثر راحة وأقصر زمنًا. غير أن الملك عبدالعزيز، طبقًا لإحدى الروايات، فضل أن تكون ملكية الأسطول الجوي للدولة ومن ضمن مسؤولياتها وإشرافها.

بعيدًا عن كل ما سبق تفصيله، يظل الشيخ باخشب اسمًا محفورًا في ذاكرة أبناء مدينة جدة لسبب آخر هو فضله الكبير على العلم والمتعلمين. فهو أبرز من ساهموا في عام 1967 في تأسيس جامعة جدة الأهلية التي عــُرفت بـ«جامعة الملك عبدالعزيز» بعد تحويلها إلى جامعة حكومية مجانية بدءا من عام 1974، بل كان ضمن لجنتها التأسيسية إلى جانب كل من أحمد شطا وأحمد صلاح الدين وعبد الله الدباغ ووهيب بن زقر ومحمد علي حافظ. فقد تبرع لها بمبلغ مليوني ريال، وهو مبلغ قال عنه الكاتب عبدالله باجبير في مقال له بصحيفة الاقتصادية السعودية (1/‏5/‏2009) «لعله الرجل الوحيد الذي تبرع بمليوني ريال أيام كان المليون رقمًا تنحني له الجباه. لقد كان باخشب باشا رجلاً من الزمن الجميل».

عن حيثيات تبرع باخشب السخي لتأسيس الجامعة كتب الدكتور عبدالله صادق دحلان في مدونته الإلكترونية، ما مفاده أن الشيخ أحمد صلاح جمجوم وزير التجارة الأسبق والمدير العام الأسبق للخطوط الجوية السعودية تم تكليفه بجمع التبرعات من كبار رجال الأعمال في جدة بهدف تأسيس أول جامعة أهلية في عروسة البحر الأحمر، فذهب إلى باخشب باشا الذي كان أكبر تاجر وأكبر مالك سفن بجدة، وعرض عليه الأمر، وكانت الأخبار وقتها تقول إن أحد أكبر سفن باخشب قد غرق في البحر وهي محملة بالبضائع، الأمر الذي ألحق به خسائر كبيرة فضلاً عن مطالبة التجار له بتعويضهم، علمًا بأن الباخرة لم يكن مؤمنًا عليها. هنا تدخل جمجوم وأقنع التجار بالتنازل وإن هذا قضاء وقدر ولا ذنب لباخشب فيه. وبعد محاولات طويلة تنازل التجار عن مطالبهم بالفعل فسارع جمجوم إلى منزل باخشب ليزف له البشرى، قائلاً: «لقد تنازل التجار عن حقوقهم في الباخرة التي غرقت فماذا أنت متنازل عنه اليوم فقال له أنت أحكم وأنا أنفذ، قال له أطلب منك التنازل عن قيمة الباخرة فقال له وأنا قبلت التنازل عن الباخر ظناً منه أنها غرقت ولا جدوى منها، وسأله عن قيمتها آنذاك فقال اثنين مليون ريال». وفي نهاية الزيارة قال جمجوم لباخشب «وماذا ستتبرع لو علمت أن الباخرة لم تغرق وستصل جدة بعد أسبوع فقال له أنت تأمر وأنا جاهز، فقال له جمجوم تبرع بقيمتها لبناء جامعة أهلية لأهل جدة فوافق باخشب باشا على ذلك وقد كان فعلاً أكبر تبرع».

ومن إسهامات باخشب العمرانية قيامه ببناء المساكن المعروفة بعمائر باخشب بجانب القشلة في جدة، وعمائر باخشب في مدينة الخبر شرق السعودية. وقد أطلق على الشارع الذي يربط بين مطار جدة والدوار المؤدي إلى جامعة الملك عبدالعزيز من جهة وإلى الكيلو 15 على طريق مكة القديم (حيث كان منزل الباشا) من جهة أخرى اسم «شارع محمد أبوبكر باخشب» تكريمًا له لتبرعه السخي للجامعة.

توفي باخشب باشا بمدينة جدة في عام 1390 للهجرة الموافق لسنة 1970 وقبل وفاته تم تكريمه من قبل رجل لا يقل عنه مكانة لجهة أعمال البر والخير ودعم صروح العلم، ألا وهو تاجر اللؤلؤ الشيخ محمد علي زينل علي رضا (رحمه الله)، المعروف بتأسيسه وإنفاقه على مدارس الفلاح بمكة وجدة والبحرين ودبي وبمبي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها