النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11204 الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    6:15AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

الفلسفة سبيل للتسامح

رابط مختصر
العدد 11183 الخميس 21 نوفمبر 2019 الموافق 24 ربيع الأولى 1441

  • شهدت الفلسفة في العالم العربي الإسلامي ازدهارًا ملحوظًافي القرون الثانية والثالثة والرابعة والخامسة الهجرية

 

لعلّه من جميل الصدف، أو من بديعها أن يتزامن اليوم العالميّ للتسامح (16 نوفمبر) مع اليوم العالميّ للفلسفة (ثالث يوم خميس من شهر نوفمبر). لا، بل ليس من الغريب ذلك، لأنّ ما يقرّب الفلسفة إلى التسامح والتعايش أكثر ممّا يبعده عنهما، فجوهر درس الفلسفة أن تعرف نسبية الحقيقة التي تمتلكها، وتحترم غيرك ممّن يملك هو ما يراه حقيقة حتى وإن اختلفت معه.

درسُ الفلسفة في الوطن العربي عمومًا لايزال يراوح مكانه، إذ يكاد يكون محصورًا في أروقة الشعب الأدبية في الجامعة، وحتى إن أنزلته بعض الأنظمة التربوية إلى مرحلة التعليم الثانوي فعلى استحياء، حيث يقتصر على الصف النهائيّ، وذلك في التعليم الحكومي، أمّا التعليم الخاص، والذي يؤمّه عدد غفير من شبابنا، فلا يكاد درس الفلسفة يقرب تلك المدارس. 

وتحتفل اليونسكو باليوم العالمي للفلسفة كل عام، بناءً على إعلان المؤتمر العام لليونسكو للدورة الـ33، (باريس 2005). وترفع شعار «الفلسفة سبيل للتعايش والتسامح» والسلام، إذْ القناعة بأن الفلسفة قادرة على الإسهام إسهامًا أساسيًا في تحقيق الرفاه الإنساني والتصدي للمسائل المعقدة ودفع السلام قُدُمًا تقع في صميم اليوم العالمي للفلسفة. 

  يمتد الاحتفاء بالفلسفة أسبوعًا كاملًا في بعض عواصم العالم كباريس وروما وتونس والرباط، في محاولة لتقريب الفلسفة إلى أوسع عدد ممكن من الجمهور، سعيًا من محبي الحكمة إلى جسر الفجوة التي اصطنعها ورثة فكر «أبي حامد الغزالي». 

لقد شهدت الفلسفة في العالم العربي الإسلامي ازدهارًا ملحوظًا في القرون الثانية والثالثة والرابعة والخامسة الهجرية، غير أنّ هذا الازدهار انحسر مع بداية القرن السابع الهجري، ومع هذا الانحسار سيبدأ العقل الإسلامي في الانسحاب من الساحة العلميّة، في الوقت الذي بدأ فيه العقل الغربيّ بالازدهار.

ولعلّ ما عاناه الفيلسوف الأندلسيّ «ابن رشد» خير مثال على سطوة الثقافة المنغلقة على ذاتها، ورفضها كل محاولات التفكير من خارج أطرها، أو حتى من داخلها بمنهج تفكير وآليات فهم وتحليل وتأويل مختلفة، لذلك أصاب مؤلفاتِه النسيانُ، بينما الفكر نفسه والمؤلفات نفسها ترجمت إلى اللاتينية، وحظيت بنجاح متزايد في المجتمعات الأوروبية حتى القرن السادس عشر الميلادي.

هذه الأزمة نكاد نجترّها الآن مع بروز تيارات متشدّدة، أخذت تلعن درس الفلسفة وتدعو إلى التخلي عنه، بل وتنعت مدرس الفلسفة في الجامعة أو المدرسة الثانوية بالإلحاد، فدرس الفلسفة وللأسف يتعرّض للهرسلة بشكل مستمر حتى تأصّل ذلك في لا وعينا، فكل من يأتي بفكرة مغايرة يشوبها بعض الغموض أو الصعوبة إلاّ وقيل له: «تتفلسف علينا» ولم أسمع هذا من عامة الناس فقط، بل من خاصتهم، ومن بعض رجال التعليم أيضا.

لقد استطاعت المغرب وبدرجة أقل الجزائر وتونس، منذ بداية القرن العشرين، وخاصة في ربعه الأخير وحتى اليوم، أن ترفد المكتبة الفلسفية العربية الإسلامية بروائع من المؤلفات، حتى نكاد نتحدّث بكل ثقة عن فكر فلسفي مغربيّ على نحو ما أنتجه محمد عزيز الحبابي، من إبداع لمذهب الشخصانية الإسلامية والواقعية وفلسفة الغدوية، التي تنظر في مستقبل الإنسان والعالم الثالث على حد تعبيره.

 واستمرت هذه العقلانية مع كل من محمد عابد الجابري في قراءته للتراث والحداثة بعقل ناقد لا بعقل يستهلك فقط، من خلال مشروعه الرائد لدراسة العقل العربي وتفكيكه. وكذا مع عبدالله العروي في «تاريخانية صارمة في قراءته التراثَ»، ومن الجزائر يبرز بلا شك اسم محمد أركون وفي تونس محمد الطالبي وغيرهم. وقد خاضوا في علاقة التراث بالحداثة، وهي تكاد تكون الفكرة الجوهرية للفكر الفلسفي العربي المغاربي المعاصر.

وهذه الإشكالية هي من صميم همومنا اليوميّة تتجلّى في كلّ ما نأتيه من مواقف وأفعال وأقوال، من دون أن نستخدم مصطلحات الفلاسفة ولا مقدّماتهم ونتائجهم، ولعلّ غياب درس الفلسفة اليوم في كثير المؤسسات التربويّة العربيّة أو انحسارها يمثل سببًا من بين أسباب كثيرة لاستفحال التطرف الفكري والإرهاب الأعمى الذي يهدد ناشئتنا.

لا مناص اليوم من إعادة النظر في موقع درس الفلسفة في المنظومة التربوية العربية، لا مناص من الاستعانة بالفلسفة في تعديل الفكر والسلوك عند الشباب، إذْ أن نسبة كبيرة من المنتسبين إلى بعض التيارات التكفيرية من أصحاب الشهائد العليا في بعض الدول العربيّة، هم خريجو الشعب العلمية، حيث لا تدرّس الفلسفة ولا الفنون ولا غيرها من المواد ذات الصبغة الأدبية لطلبة المسارات العلمية والهندسية والطبية في الجامعة!!!

إنّ درس الفلسفة يستطيع أن يحقّق ما يعجز عنه الكثير في نشر ثقافة التسامح والسلام. ولمّا كان التعليم منطلق كل تنمية مستديمة، ومبدأ كل تقدم وتغيير وابتكار، فالفلسفة هي المجال الأقرب للتشجيع على التفكير الناقد والمستقل وتعزيز التسامح والسلام.

إنّ الفلسفة تفتح آفاقًا أرحب للحوار، وتجفف منابع التطرف الفكريّ والعنف والإقصاء، وتقدم بذلك ثقافة إنسانية قوامها الاختلاف وقبول الآخر حتى لا نستمرّ عبئًا على البشرية بما ننتجه من تطرف وإرهاب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا