النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

سامي عبدالحميد.. هل غــادر الخشــــبة؟

رابط مختصر
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441

سامي عبد الحميد..

الراحل الحي الباقي ما بقي لتاريخ المجد المسرحي في العراق ووطننا العربي ضوء وشعاع وأثر، هو شيخ المسرحيين ومعلمهم وأستاذهم، رائد المسرحيين وعميدهم، هو الفنان الذي تتوارى أمام قامته المهيبة الشامخة كل الألقاب والأسماء، فهل أكتب عنه أم أرثيه؟ 

الكتابة لا تفيه حقه، والرثاء رفيق الموتى بعد الحياة، فلأدعه إذن يكتبني هذا الحي الباقي المشاكس لذاكرة أوشكت أن تتجاوز القرن، لذاكرة عبرت قارات عهدنا ومعرفتنا بالمسرح في وطننا العربي، لتتبوأ بذلك ذرا قمم لا تطالها الألقاب والأسماء. 

لم يكن الفارع المهيب الممثل المخرج الكاتب الباحث الأكاديمي سامي عبدالحميد، نتاج عشق للمسرح فحسب، إنما هو نتاج ثقافات عميقة تقاطعت فنونها ورؤاها في ذاته وفكره ومخيلته، هو ربيب كل إبداع تألق وهجه في وطننا العربي والعالم، ربيب الثقافة التنويرية والمسرح والسينما والتشكيل والنحت والدراما التلفزيونية الذين جميعهم احتضنتهم أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، والتي هيأت لهذا المبدع أن يشق طريقه في حقول الإبداع الأكاديمي العالمي في حقول المسرح بالأكاديمية الملكية لفنون الدراما في لندن وفي جامعة أورغون بالولايات الأمريكية المتحدة، ليختزل من خلالهما أهم التجارب المسرحية العالمية، وخاصة روائع شكسبير ويوجين أونيل، ليقدمها على خشبات المسرح العراقي، ومن خلال بحوث مسرحية صدر أغلبها في كتب كانت في حينها تعتبر رائدة ومهمة ومؤثرة في مسرحنا العربي، ومن أهمها «الملامح العربية في مسرح شكسبير»، ولعل ما تميز به المبدع سامي عبدالحميد من تنوع ثقافي فني غزير وخاصة في مجال العلوم المسرحية وإدارة شؤونها المعملية في محترف الخلق المسرحي ببغداد، هو ما دفع بالفنانين المسرحيين العرب إلى إسنادهم له مهمة رئيس اتحاد المسرحيين العرب آنذاك. 

هذا الفنان الفارع المهيب سامي عبدالحميد، تهيأت لي فرص كثيرة وثمينة لأن ألتقيه إبان سبعينيات الدراسة في الكويت ومن بعدها في مهرجان بغداد، إذ كان ممثلاً رائعًا ولافتًا في مسرحية (الإنسان الطيب في سيتزوان) لبريتولد بريخت، إخراج الفنان الكبير الراحل الدكتور عوني كرومي، ومن بعدها في قرطاج وآخرها تسنت لي فرصة مشاهدة عمل استعادي للمخرج المؤلف الكبير الراحل قاسم محمد، وهو (النخلة والجيران) الذي ضمه مع نخبة من نجوم المسرح الحديث، وذلك من خلال رسالة ثقافية تلفزيونية لفضائية البحرين كلفت فيها الدكتور جبار خماط بتغطيتها، ومن ثم توالت اللقاءات في مهرجانات أخرى، في مونودراما الفجيرة الدولي وفي شارقة المسرح وفي تجريبي القاهرة، لقاءات قربتني أكثر بهذا الفنان العملاق الذي تقاطعت في سحنته وملامح وجهه ومحياه شخصيات إبداعية عملاقة من المسرح العالمي والعربي، من أمثال أنتوني كوين (زوربا السينما العالمية) ويوسف وهبي وحمدي غيث ولورانس أوليفيه وإبراهيم جلال، وهو في كل هذه الشخصيات ظل يبحث عن ظل حيرة (لير) الأخيرة. 

لذا حين تكون بمعية أو جوار الملتبس الخلاق سامي عبدالحميد، عليك أن تهيئ نفسك لمفاجآت لم تتوقع حدوثها على الإطلاق، خاصة وأنه من جيل مسرحي لا يعرف للمجاملة طريقًا في حياته، من أمثال الراحل الكبير إبراهيم جلال وخليل شوقي ويوسف العاني وجعفر السعدي ومحسن العزاوي، هؤلاء الذين إذا لم يعجبهم العرض الذي يشاهدونه، تسمع تذمرهم وسخريتهم مباشرة في القاعة، وهكذا لحظتهم عندما كنت في مهرجان بغداد المسرحي، وأنا أشاهد مسرحية من المسرحيات التي تعرض فيه وهي لأحد أعز أصدقائهم من الفنانين المسرحيين العراقيين. 

معه ـ كما أشرت ـ توقع ما لم يكن في الحسبان، فإذا لم يعجبه العرض، تطفر منه فجأة ضحكة مجلجلة ساخرة توجه جميع الأنظار إليه، وتكون أنت المجاور له في حرج وفي حالة من الاستغراب، وأحيانًا وأنت في غفلة عنه، تسمع شخيرًا متقطعًا متصاعدًا يلفت أنظار كل من في الصالة، وإذا نام سامي عبدالحميد عن العرض فيه، فإنه قد سجل موقفه منه وكما لو أنه بهذه (الشخرورة) يهيئ حصانه بعد استراحة محارب لرحلة أكثر جمالاً في مضمار آخر يعج بالإبداع المسرحي، خاصة ما إذا نفض عصاه متمردًا عليها أيضا وقرر الخروج من العرض، حيث تلحظ في مشيته المتسارعة ووجهه المتقلب الانفعالات شخصيات ربما قام بأداء بعضها، فهو صاحب رأي واضح ومباشر للعروض التي يشاهدها تمامًا، كما هو المخرج الدكتور صلاح القصب إذ ليس لديه ما يبطنه أو يخفيه أو يحتسب تأجيله بعد العرض. 

إنه مسرح لم يتوقف عطاؤه حتى آخر لحظة من حياته، فإذا لم ترَه مخرجًا أو ممثلاً على الخشبة، تره كذلك في الحياة، وحين تلمحه أو تتأمله تكتشف أحيانًا في شخصيته مهابة الجنرالات والصعاليك والملوك التي احتوتهم نصوص شكسبير وكما لو أن روحه قد تشكلت من شخصياته وأحداثه حتى بدت حية تجاورنا الحياة حتى آخر رمق لها وكما لو أنها في مشهد تمثيلي لا في الواقع؛ لذا أرى هذا العملاق وهو يغادر المشهد المسرحي في الحياة، كمن يغادر المشهد من فوق الخشبة ليستعد لمشهد آخر، وما أعظم هذا الإنسان حين يذكر بالحب والود أدواره المتميزة التي مثلها بإخراج تلامذته من المسرحيين، من أمثال الدكتور عوني كرومي، فهل غادر الخشبة؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا