النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

لا تشترِ موتك بفلوسك

رابط مختصر
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441

  • في هذه المراحل المتقدمة، التي يصعب كسر طوقها، تتحول إلى حالة من الالتزام

 

رسالة صاغتها دموع الندم والحسرة بعد فوات الأوان، بعد أن طفح الكيل وبلغ السيل الزبى وتأوه القلب، وصرخ المدمن على التدخين: «وا قلباه ...». خليجي، وأمثاله في دور العلاج كثر، يرسل رسالة مِلؤها الألم الجسدي والعذاب النفسي وحسرة على الشباب: «لا تشترِ موتك بفلوسك»، بعد أن عبث التدخين بصحته وأنهك قلبه وأغوى عقله، واضطر لإجراء عملية القلب المفتوح، وهو بعد لم يتعدَّ ربيع الأربعين... بعث رسالته إلى أقرانه من الشباب وهو في المشفى مسجى على السرير وكأنه قد تخطى السبعين، ولا يعرف ولا هو بالمتيقن عن مصير حياته، إلى بيت الحياة أم إلى تراب الخلود. شق الطبيب الجراح صدره وفتح ممراً ليصل الى القلب الذي أضناه الدخان؛ بيد الدخان لا بيد الزمان، هذا هو رسم العمر لمن فضل متعة خادعة على نعمة صادقة في متناول اليد وهي حاضرة مضمونة آمنة؛ إنها نعمة الصحة وكمال البنية وحسن الهيئة والقوام، هذه النعمة لا يقدرها أهل الهوى الذين يعشقون دخان التبغ، ويستمتعون برائحة ذاك الدخان الذي يشفطونه بلذة منقطعة النظير؛ والدخان بحمله من أنواع السموم والقار يتراكم شفطة بعد شفطة وسيجارة بعد سيجارة في الرئتين ويملأ الحويصلات الهوائية ويقف سداً مانعاً أمام الهواء النقي ليقوم بدوره في تجديد الدم في القلب... هوس الإدمان بمتعة الدخان يحكم المدمن على عمره حكم الجلاد... نتنكر للقلب ونرهقه ونعذبه ونعطل وظيفته ونستهين بخدمته المصيرية لحياتنا؛ ليت الدخان يمر مرور الكرام عبر الرئتين مروراً إلى الهواء الطلق عبر فتحتى الأنف دون المساس بالقلب الخدوم البريء، ودون التراكم في جيوب الرئتين ودون مزاحمة الهواء النظيف الغني بأكسجين الحياة في تلك الجيوب؛ ومع تعاقب الساعات والإصرار على التدخين تحل سموم الدخان محل الهواء النظيف، المشبع بالاكسجين، في حويصلات الرئتين... ليت وليت، وقل من ليت ما شئت، ولكن هيهات، فإن الدخان الملعون المرغوب لا يرحم ... إن دخان التبغ الذي يغزو الجسم لا ينحصر تاثيره على القلب والرئتين وتسميم الدم، بل إن جحافل الدخان الغازي تحمل مادة التدمير الاقوى والأمضّ، وهي مادة «النيكوتين».

مادة النيكوتين، أخطر من جميع أنواع السموم، مهمتها غزو المركز الاستراتيجي في الجسم، أي الدماغ. الدماغ هو العضو الذي يتحكم في الجهاز العصبي المركزي للانسان، وينظم المهمات اللا إرادية، وهي التي تدير شئون الانظمة المختلفة في الجسم، والمهمات الإرادية وهي الفعاليات العقلية العليا، أو المعقدة مثل التفكير والاستنتاج والتجريد. النيكوتين أشبه بجاسوس للعدو ينجح في اختراق مركز القيادة في الدولة بغية القضاء عليها؛ ومن أجل تدمير الجسم تقوم مادة النيكوتين بتغيير التوازنات في كيميائية الدماغ وتغيير المعادلات في كهربائية الدماغ، فتختل مهمات الدماغ الإرادية واللا إرادية، فيصبح الانسان، جسماً وعقلاً، أسيراً لجاسوس العدو، النيكوتين. ومن التاثيرات التي تجعل التدخين ممتعاً بشكل شره عند المدخن، هو التغيير الذي يحدثه النيكوتين في توازن مادتين هما «الدوبامين» dopamine و«النورأدرينالين» noradrenaline؛ ومع التغيير في مستويات هاتين المادتين تتغير مستويات المزاج والتركيز عند الانسان المدخن، وهذا التأثير الكيميائي في الدماغ هو الذي يفقد المدخن الارادة في مواجهة التدخين، فيصبح المدخن أسيراً للنيكوتين، مثل القيادي في مركز الدولة الذي يتحول إلى عميل يخدم جاسوس العدو...

الإدمان في ظاهره يبدأ من نقطة التذوق، ومن ثم المتعة، ومع تراكم حالات المتعة والاستمتاع يحدث التحول النوعي إلى حالة الادمان... هذا هو في الظاهر، أما الأثر الفعلي لاحداث الادمان فإنه يحدث في الكيمياء ـ البيولوجي والكهربائي في الدماغ بفعل مادة النيكوتين ...

النيكوتين يسيطر على كامل الدماغ، فلا السلطة اللا إرادية ولا السلطة الإرادية فيه بامكانهما مواصلة مهامتهما بشكل كامل؛ هذا الدماغ المسكين، الذي غزته جحافل جنود النيكوتين، يجد نفسه أمام عدو لدود تتوالى هجماته بشكل متواصل ودون انقطاع، ويستعين الدماغ بدفاعاته الذاتية لمواجهة هذا الغزو اللعين، وهذا الانشغال بالدفاع عن الذات يكون على حساب المهمات الأساسية التي تخدم صحة وسلامة الانسان وتساهم بشكل جوهري في إنتاجه الفكري من أجل حياة سعيدة؛ وهذا الدماغ الذي يخونه صاحبه هو الذي يعطيه صفته كإنسان ويرفع من مكانته الانسانية. وأفضل تعبير عن فقدان الارادة عند المدمن، هو تلك الكلمات اليائسة البائسة التي تفوه بها أحد زملاء العمل وأنا احاول اقناعه بترك التدخين، عندما قال: «الموت ولا ترك التدخين «... ومن المدمنين من يضع خطاً أحمر، فيقول: «التدخين خط أحمر، لا أسمح لأحد أن ينصحني بتركه!!!».

مع هذا التأثير الكارثي على الدماغ فإن المدمن يعيش معضلة كبيرة وتحديًا أكبر، لأنه يصبح عديم الارادة أمام التدخين ويضحى عبداً للنيكوتين ... وعبوديته في هذه المراحل المتقدمة، التي يصعب كسر طوقها، تتحول إلى حالة من الالتزام الطوعي وحتى شبه الشبقي للعبودية... إذن فالمدمن هو ضحية نفسه... إذن فالمدمن يعيش حالة كارثية تسلبه الارادة بالرغم منه، وتزين له «عبوديته للتدخين» بشوق منقطع النظير، هنا تكمن القضية مع المدمن... فهو ليس بقادر أن يفك قيد العبودية عن نفسيته وعن سلوكه، فيصبح عبئاً على نفسه، دون وعي منه، فيضحى بهذا اللاوعي ضحية يستوجب على المجتمع تحمل مسئولية إنقاذه.

الدماغ لكي يؤدي مهماته الاستراتيجية يحتاج إلى غذاء، فهو يستهلك تقريباً 15% من الدورة الدموية التي يضخها القلب، وكمية الدم التي تتدفق في جميع الجسم تقدر بـ 7200 ليتر، يذهب منها 1080 ليترًا إلى الدماغ يومياً... وهذه هي الكمية اللازمة والتي قدرتها معادلات طبيعة الجسم للدماغ كي يقوم بوظائفه المعقدة. الوظائف اللا إرادية والوظائف الإرادية.. فماذا يحصل للدماغ عندما يتغذى على دم مشبع بالسموم؟ مسكين هذا الدماغ الذي خانه صاحبه؛ فمن جهة فإنه يحصل على غذاء قاتل، ومن جهة أخرى فهو مخترق من قبل عدو (النيكوتين) يتحكم فيه ويربكه ويلخبط مهماته؛ ومع مزيج السم والنيكوتبن، فإن الدماغ يعجز عن القيام بمهماته، وتتهاوى قوة المناعة في الجسم، وتخور إرادة المدخن أمام سطوة النيكوتين (الجاسوس)، فينهار الجسم (الدولة).

فعندما يأتي الفأس في الرأس، وتـأتي الصدمة الكبرى وتستفيق الإرادة قي لحظات ضائعة من الزمن، عندها لا يبقى للمدمن وقت من الزمن حتى يندم...

هناك من استطاع ان يحطم قيد العبودية عن إرادته، فترك التدخين قبل فوات الأوان، ولكن هؤلاء قلة، وهم ذوو إرادة جبارة... فقط من كانت إرادته جبارة بإمكانه كشف الجاسوس (النيكوتين) والقضاء عليه، وإنقاذ حياته قبل أن يتحسر ويندم وينصح غيره قائلاً: «لا تشترِ موتك بفلوسك»..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا