النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11204 الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    6:15AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

النقطــــــة العميــــــاء

رابط مختصر
العدد 11180 الاثنين 18 نوفمبر 2019 الموافق 21 ربيع الأولى 1441

  • لا يوجد قانون يعاقبهم ولا شريعة تمنعهم ولا أخـــلاق تؤرّق مخــــــادعهم

 

لم تكن لوحة لـ«فان جوخ» أخفاها السارقون في ليلة حالكة، أو أثر فرعوني بديع فقدت البشرية أثره في غفلة من التاريخ، لكنها النقطة العمياء التي يتساوى فيها السارق والمسروق، السارق لقطعة بلاغية جميلة، والمسروق عندما يعثر على تلك القطعة وهي في أيادي عابثين، وفي متناول ضالين، وبين أحضان شياطين.

هي «السوشيال ميديا» التي لا تستطيع قطع يد السارق عندما يمدها على ممتلكات آخرين، وهو الفضاء الخالي من القيم الذي يبيح لـ«حرامية» المعلومات الحصول على ما تيسر من دون عقاب.

الكارثة أن هؤلاء المتخفين في نقطة عمياء على «مواقع التواصل» ينسبون القطعة البلاغية المنهوبة لأنفسهم، بل ويضعون أسماءهم المجهولة عليها، والمصيبة الأعظم أن هؤلاء عندما يواجههم مفتش المباحث الرقمية بالفعل الفاضح في الطريق الالكتروني العام، لا ينكرون ولا يتنصلون، ولا يتملصون، لكنهم يؤكدون ويتباهون بل ويفخرون بأنهم على درجة عالية من التمييز بين الغث والسمين، وأنهم يمتلكون تميزًا فارعًا في اختيار الجملة الأكثر من مفيدة، واقتباس «القطعة» التي تناسب الموضوع، وأنهم مؤهلون بما فيه الكفاية لوظائف راقية في مهنة المتاعب نظرًا لـ«الهم الثقيل» و«الجهد الجهيد» الذي يبذلونه أثناء عملية السرقة.

ما شاء الله، كيف يفكر لصوص المعلومات و«المعلوماتية»؟ من أين لهم هذا؟ هل أن ذلك هو ما يبشر به علماء التقنية والذكاء الاصطناعي، وهو ما يشجع عليه أكاديمي اللحظة الفارقة العبثية؟! ربما.. لكن الأكيد أن أخلاقيات الفضاء الرقمي لابد وأن تكون بمثابة البرنامج الذي لابد من اجتيازه في مناهج الجامعات قبل الشروع في إعداد مشاريع التخرج، والأكيد أن حق الملكية الفكرية لا يعني القدرة الخارقة على الاقتباس بقدر ما يشدد على ضرورة أن يكون صاحب القطعة البلاغية، أو الموضوع المنشور، أو المقال المفضل هو الذي قام بكتابته بنفسه من الألف إلى الياء، بكتابته وليس نقله، أو اقتباسه أو سرقته، بكتابته من بين أمهات أفكاره وتلابيب حواسه وثقافته وأشعاره.

أن يكون صاحب «الشيء» المُعرض للسرقة معنونًا بإسم صاحب الأصل، وليس بلقب سارقه الملعون، أن يكون مالك الشيء حريصًا على اقتفاء آثار لوحته اللغوية الرائعة، وأن لا يتركها عُرضةً لبلطجية الإنترنت، وأفاعي التواصل غير الاجتماعي، أن يكون المالك الأصلي حاضرًا على الهواء المكتظ بأبناء الشبكات الجهنمية، وأحفاد الفضاء الملوث بأدبيات الدخلاء على المهنة.

الكارثة الأكبر أن بعض خريجي كليات الإعلام، وعدد لا بأس به من موظفي العلاقات العامة في الوزارات والشركات الكبرى خاصةً الذين يتقاضون رواتب خيالية نجدهم من أبرع المقتبسين على «الشبكة المشبوهة»، وأبدع الزائرين لأدواتها المكروهة، رسائلهم وبحوثهم وربما تقاريرهم التي يرسلونها إلى الصحف وتمثل مصارف كبرى، وشركات عملاقة، ووزارات حساسة تكون في كثير من الأحيان مقتبسة أي مسروقة أي مختطفة من مواقع لوزارات أخرى أو شركات أخرى أو مصرف آخر أو حتى من السارق نفسه، وربما نجد هؤلاء القوم، وهم متسللين، متلبسين بالفعل الفاضح لكن لا يوجد قانون يعاقبهم، ولا تشريع يمنعهم، ولا أخلاقيات تؤرق مخادعهم.

صحيح أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن عديمي المهنة شأنهم في ذلك شأن عديمي الضمير أو الأخلاق، لكن الصحيح أيضًا أن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، وأن نشأة هؤلاء على «الإنترنت» لابد وأن تُعاد تربيتها، وأن يتم تعليم أصحابها الحبو قبل المشي، التهتهة قبل الكلام، والإستئذان قبل الدخول، ينبغي أن نخاطب الناس على قدر عقولهم حتى يخاطبونا على مقاس أحلامنا، ينبغي مثلًا أن نطالب الجهات المسئولة على البث الرقمي أن يبثوا تشريعًا قاطعًا مانعًا لكل من تسول له نفسه سرقة جهود الغير، أن يكون العقاب واضحًا فاضحًا حتى لا يعود القرصان إلى قلعته ويحتجز السفن اللغوية العابرة لحسابه الشخصي، وليكن ما يكون.

ينبغي على الجهات المسؤولة، نواب وجهات معنية، ومؤسسات نفعية وجمعيات ذات صلة من التكشير المستمر عن أنيابها، وليس الصراخ المتواصل على شبكات التواصل فتنال ما تناله من اقتباس مسرطن، واقتناص مبرمج، وابتلاع لكل ما هو ممكن وكل ما هو مستحيل.

الخوف كل الخوف أن تتحول قوافل الناهبين إلى خلايا نائمة على مواقع التكنولوجيا السحابية، أو إلى صفحات مدرعة من جيوش غائبة عن الوعي أو إلى تقليد أقوى من القانون، وأعنف من العقاب، وأعقد من عصبية المسروقة أحلامهم. 

الخوف كل الخوف أن لا يلحق التشريع بما يمكن أن يحدث في المستقبل من سرقات لبحوث كاملة، لمشاريع تنوير غافلة، ولأساطير علمية وأدبية وفنية لا يُشق لها غبار، عندئذٍ سيكون التشريع متأخرًا، والتقنين لا طعم له ولا رائحة، والفرز الدقيق لا دقة فيه، ولا تمعنًا ولا كشفًا مبينًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا