النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11249 الأحد 26 يناير 2020 الموافق غرة جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:15PM
  • العشاء
    6:45PM

كتاب الايام

تعدد الرايات في زمن التفتيت والتفكيك

رابط مختصر
العدد 11180 الاثنين 18 نوفمبر 2019 الموافق 21 ربيع الأولى 1441

  • المجتمع الواثق من نفسه، قويّ بهويّته الوطنية والقومية والروحية

 

قال الصديق محتدًا: 

في هذا الوقت الذي يتوحد فيه العالم في شكل مجموعات مصالح وأمن ودفاع، وكتل اقتصادية ضخمة، يتزايد في عالمنا العربي هذه الأيام حالة النكوص عن الثوابت الجامعة، والتشكيك في العمل العربي المشترك، ولعل هذا ما يفسر نمو الفئوية - الطائفية - المناطقية - القبلية والمليشياوية التي تهدد ما بقي من عوامل وحدة الأوطان ووحدة الهوية العربية!

 قلت للصديق:

أتفق معك في مجمل التوصيف، ولكني اختلف معك في تنزيله في اللحظة الراهنة فقط، فتلك الظاهرة لم تبرز اليوم، ولم تتفاقم اليوم، بل بدأت منذ بداية تسعينيات القرن الماضي على الأقل، وتفاقمت، عندما بدأت موجة (الكفر بالعروبة) تستشري، وقد مضى على ذلك حوالي ثلاثة عقود، وربما يكون التشظي الحالي أشد خطرًا لأنه في تقديري يتهدد المجتمعات العربية على صعيد الوحدة الوطنية في كل بلد عربي على حدة، بما يعني أن المسألة تجاوزت الهوية العربية إلى هوية المجتمعات الوطنية نفسها. فالانجرار وراء الجزئي -الفئوي-الطائفي، يضغط بشدة على كل ما هو وطني ويهدد بضياع المكتسبات الوطنية، مهما كانت محدودة. ولا شك أن التيار التجزيئي، قد أصبح اليوم جارفًا ومندفعًا بقوة، ومن الصعب الوقوف في وجهه بسهولة، ولكنه إذا لم يتوقف فسيجرف معه بشدة حتى الانتماء الأساسي لمجتمعاتنا العربية، وهو الانتماء الوطني، فما بالك بالانتماء للعروبة أو ما بقي منها.

 رد الصديق:

المشكلة يا صديقي أن التحولات التي شهدها الوطن العربي قد عصفت بالثوابت الجامعة كلها أو بعضها على الاقل، مما فتح الباب واسعًا أمام تنامي الهويات الصغرى بكافة أشكالها، وأصبح من الطبيعي، الحديث بصوت مرتفع عن هويات تفتيتية للوطن الواحد. وإذا كانت كل دولة عربية تجد من المبررات ما يكفي لتحرير نفسها من (أعباء) الالتزامات القومية، بعد الكوارث التي مست الحياة العربية في العقود الثلاثة الماضية، مثلما أشرت، فإن المخيف أن يصل الأمر إلى المساس بوحدة الأوطان واستحضار النزعات القتالية..

قلت للصديق:

قد يكون في التشبث بالهويات الوطنية جانب ايجابي في ظل هذه تغلغل الهويات التفتيتية الجديدة التي تختلق لها رايات ترتفع فوق رايات الأوطان نفسها، خاصة في ضوء انتشار المليشيات داخل كيان العديد من الدول العربية، والتي اختارت لها أعلاما ورايات ومسميات لا علاقة لها بالهوية الوطنية التي يفترض أن تكون جامعة. 

لقد رأينا وما نزال نرى كيف أدى تفكيك العراق إلى هويات، بعد الاحتلال الأمريكي، مما أدى إلى نشوء ما يشبه الكانتونات السكانية، مما فتح الباب أمام مجازر وحروب وتصفيات وتهجير، وإقامة الأسوار الفاصلة والكتل الإسمنتية التي تقسم الشوارع والطرقات الأحياء.. هذا النموذج الذي حمله معه الاحتلال الأمريكي للعراق على سبيل المثال، هو الذي يتم تسويقه حاليًا في المنطقة العربية والتحريض على الأخذ به بكل السبل، من خلال مداخل عديدة، تشجع الهويات الصغرى وتدغدغها، بما يؤثر سلبًا على وحدة الأوطان، خاصة في الدول الحديثة التي تحتاج إلى تعزيز هذه الهوية الجامعة. 

ولا شك أن المجتمع الواثق من نفسه، في رأيي هو مجتمع قويّ بهويّته الوطنية والقومية والروحية في ذات الوقت، وهو مجتمع قويّ بثقافته، وهو مجتمع يتشكّل وفق ما يتيحه لكلّ أفراده من ظروف للخلق والإبداع والحلم والطّموح والحرية، ورسم الأهداف والتّوق إلى الأفضل، وبما يجيزه من إمكانات لتحقيق هذه الطّموحات وبلوغ ما ينشد من أهداف، وهو بقدر ما يعمل على الوحدة والتوحيد والتماسك، يشجع على الانفتاح على العالم الخارجي والإقبال على فرص الإثراء المتبادل دون عقد، كما أن ثقة كل مواطن بنفسه، وثقة الشّعب بقدراته وبمستقبله، والعمل على تعميقها وازدهارها يعدّ جانبًا من الرّسالة السياسية والإعلامية والثقافية التي تعهّد الدولة والمجتمع بها، ولكن اختزال وجه الوحدة الوطنية في مجرد الانتماء اللفظي وشعارات السيادة المفرغة من المحتوى، من دون ربطها بقيم المواطنة والحرية ودولة المؤسسات والمساواة أمام القانون، لا يمكن أن يؤدي إلى ترسيخ الوحدة الوطنية، مهما تحدثنا عن ذلك، لأن مجرد الحديث عن الشيء، لا يجعله واقعًا، ولا يجسم الأهداف على الأرض، فوعي الناس بالمواطنة يرتبط بالضرورة بمفهوم وانتماء مواطنين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية، ضمن هويةً وطنيةً جامعة وشاملة، لا تكون تعبيرًا عن موقف سياسي ضيق، بما يجعل الهوية عامل توحيد وتقوية، وتفعيل للحراك السياسي الاجتماعي والاقتصادي في أي بلد، وأساسًا راسخًا لتعزيز الكيان السياسي الموحد للدولة واستكمال بناء مؤسساتها المعبرة عن وحدتها ووحدة شعبها مهما حدث من اختلاف بين مكوناته.

قال الصديق خاتمًا هذا الحوار:

والله أن أوطاننا أعطتنا الكثير واحتضنتها بكل الحنو والحب، واستذكر هنا قول الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في دفاتره وهو يعرف الوطنية في بعدها الطبيعي والرمزي: «أنا لا أطلب من وطني شيئًا غير ما يمنحني إياه، إنني أجده يكافئني بوفرة الهواء النقي الذي استنشقه كل يوم، ولذلك فأنا لا أطلب أكثر من أن يمتنعوا عن إفساد هذا الهواء الذي استنشقه. حمى الله أوطاننا من كل سوء.

همس أول

 من رسالة لأبي حيان التوحيدي من كتاب الإشارات الإلهية:

سألتني – رفق الله بك، وعطف عليَ قلبك – أن أذكر لك الغريب ومِحَنهِ، وأصِفَ لك الغربة وعجائبها،.... فكيفَ أَخْفِضُ الكلام وأرفعْ، وما الذي أقول وأصنعْ، وبماذا أصبر، وعلى ماذا أجزع؟ وعلى العلاّت التي وصفتها والقوارف التي سترتها أقول:

إنّ الغريبَ بحيثُ ما حطّت ركائبهُ ذليلُ

ويدُ الغريبِ قصيرةٌ ولسانه أبدًا كليل ُ

والناسُ ينصرُ بعضهم بعضًا وناصره قليلُ

  همس آخر 

خلفَ النافذة

لا مطر ولا صفصاف،

الريحُ 

تحجب الشوق 

والتحايا.

لا ضوءَ، 

ولا مطر.

وحدها الغيوم الكاذبات

تحلم، 

والأشجار تغتسل، 

الوردِ ينسكب

في النبع الحبيب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا