النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

تسقط الميليشيات.. يحيا الخبز

رابط مختصر
العدد 11178 السبت 16 نوفمبر 2019 الموافق 19 ربيع الأولى 1441

أثبتت الميليشيات الطائفية في لبنان والعراق واليمن فشلها في توفير متطلبات العيش الكريم للناس، كيف لا وهي امتداد للنظام الإيراني الذي أغرق شعبه في الجوع والفقر فيما هو يعدهم بتحرير القدس والنصر على الشيطان الأكبر!.

بالمقابل أظهر الناس في لبنان والعراق -وفي اليمن مستقبلاً- حرصًا كبيرًا على بناء مستقبل وطنهم بعيدًا عن أية شعارات دينية أو محاصصة طائفية أو تدخلات خارجية، بعد أن خرجوا إلى الشوارع يرفعون علمًا واحدًا هو علم الوطن، ومطالب واحدة حول العيش بكرامة.

المشكلة في الميليشيات الطائفية أنها تمكنت من إنتاج أذرع سياسية لها أمسكت بخناق السلطة، ويحاور ممثلوها السياسيين «شركائهم» في الحكم ليس بالمنطق والحجة والدبلوماسية وإنما بقوة السلاح والقدرة على استلاب الناس. إنهم يحاورون خصومهم السياسيين بالمسدس لا بالكلمة، يرتدون بدلات رسمية أنيقة تخفي تحتها لباس حرب.

هذه الأحزاب السياسة - العسكرية تضخمت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، وباتت أكبر من الحكومة والبرلمان ومقام الرئاسة، بل وأكبر من البلد ذاته، تقدم نفسها للجميع في الداخل والخارج على أنها الجهة الجديرة بالحوار واتخاذ القرار، منتهجة بذلك سياسة الأمر الواقع الذي فرضته بقوة السلاح.

سمعت متظاهرا عراقيا يقول إنه لا يريد من أعضاء الأحزاب الطائفية والدينية المسيطرة على المشهد السياسي هناك أن يظهروا على شاشات التلفزة بعمائمهم ليتحدثوا عن الشريعة والفرائض ويحثِّوا الناس على العبادات، وأضاف المتظاهر إنه يعتقد أن وظيفة الأحزاب والحكومات هي توفير الصحة والتعليم وفرص العمل، وليس إدخال الناس الجنة.

هذه الأحزاب أثبتت أنها ليست بديلاً أفضل من الأنظمة الدكتاتورية التي ظهرت على أنقاضها، يكفي أنه في ظل الأنظمة الدكتاتورية كان جميع المواطنين متساويين في نصيبهم من الظلم، ومن بعض أوجه التنمية، ليس كما هو الحال اليوم، حيث يعوم العراق على بحار من النفط الذي تدخل عوائده في جيوب قلة قلية من البشر، تضخمت ثرواتهم على حساب إفقار الناس، وكذلك الأمر في لبنان.

كيف يمكن بناء دولة بمحاصصة طائفية؟ كيف يمكن لحزب ما أن يسيطر على وزارة الصحة، فيما تكون وزارة التعليم من نصيب حزب آخر، والدفاع أو الداخلية للحزب الأقوى؟ ما هي آليات تعيين الأطباء والأستاذة والضباط في تلك الوزارات؟ هل يمكن لموظف أو مدير أو مسؤول ما أن يؤدي عمله على أكمل وجه وهو يجلس على الكرسي ليس لأنه جدير بالمنصب وإنما لأنه محسوب على هذا الحزب أو ذاك؟

لم تثبت الديمقراطية في بلداننا جدواها، وما يصلح لغيرنا قد لا يصلح لنا، وصناديق الاقتراع أفرزت لنا قوى دينية من مختلف الطوائف، وسيطر المتطرفون على المشهد السياسي والاقتصادي والإعلامي، فيما غابت أصوات التكنوقراط القادرين على بناء الدول على أسس سليمة.

لطالما كانت هذه المنطقة من العالم ملعبا لتنفيذ مؤامرات القوى الكبرى، حتى قبل الربيع العربي. في لبنان بالعام 1975 بدأت الحرب الأهلية التي كان مخطط لها من الأساس لتصفية حسابات دولية، وأُشعلت شرارتها أولاً بين لبنانيين وفلسطينيين، ثم تحولت إلى حرب بين اللبنانيين أنفسهم على اختلاف أديانهم وطوائفهم، وكذلك حصل في مصر عندما ثار الشباب ثم ركب الإخوان المسلمون على الثورة وحرفوها عن مسارها، وأيضا في ليبيا وغيرها.

في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح، والناس تريد العيش بكرامة، ويجب أن نعرف أنه ليس هناك بلد خارجي يريد لنا الخير، وأن المسألة اليوم لم تعد شيعيًا وسنيًا، حيث أصبح الجميع فقراء في دولهم، نتيجة الأطماع التوسعية لإيران وتركيا وإسرائيل ومن خلفهم الدول الكبرى.

الأديان السماوية والعقائد ترمي إلى أن يعيش الناس في سلام، وتحثَّهم على إعمار الأرض والاعتناء بأنفسهم وصحتهم وتربية أبنائهم، لكن الدعاة المتلبسين بعباءة الدين يصدرون توجيهات بل وفتاوى للسيطرة على عقول وأفئدة الناس. وقرأت ذات مرة عن إمام يخطب في المصلين ويأمرهم بالصبر وتحمل شظف العيش، فوقف واحد من بين المصلين وقال للإمام: بالله عليك يا شيخ، حدثنا عن النعيم والعيش الكريم، فنحن أكثر الناس معرفة ومعايشة للصبر وشظف العيش، فلا تزد على همومنا هموما.

أنا أدرك تمامًا أن الدين والطائفة مكوِّن أساسي من مكونات منطقتنا، بل وتركيبتنا الفكرية والنفسية، لكننا لا يجب أن نسمح لأحد أن يبيع ويشتري بنا وبمستقبل أبنائنا بذريعة حماية الملة أو الطائفة، فما هي مشكلتي مع من يحكمني إذا كان يعمل على تلبية متطلباتي الأساسية في العيش الكريم حتى لو كان من دين أو طائفة أخرى أو لم يكن متدينا من الأساس؟!

الاقتصاد والتنمية هي كلمة السر في تقدم الدول، والمعيار الأول للحكم على أداء الحكومات، وامتلاك القوة العسكرية لا يشفع لصاحبه البقاء في السلطة، فحتى الحزب الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يعتبر رئيسه القائد الأعلى لأقوى جيش في العالم، لا يستطيع أن يوهم مواطنيه بالقوة العسكرية، وإنما بالتنمية وفرص العمل والخدمات الصحية. إن المزيد من سيطرة الأحزاب الطائفية والدينية على المشهد السياسي يعني المزيد من ضنك العيش لجميع الناس، وتراجعا على مختلف المستويات، خاصة وأن هذه الأحزاب لديها مشاريع كبيرة حول «تحرير الأرض ومقارعة الاستعمار»، ولكنها لا تضع في حسبانها افتتاح مدرسة أو مركز صحي أو مخبز، متناسية أن المواطن الجائع لا يمكنه الدفاع عن وطنه كما يجب.

نقرأ في أدب أحد الكتاب الساخرين الذي عاش ومات في دولة من دول ما يسمى بالمقاومة والممانعة عن قاضٍ يسأل متهمًا: هل كنت بتاريخ كذا ويوم كذا تنادي في الساحات العامة، والشوارع المزدحمة، بأن الوطن يساوي حذاء؟! - المتهم: نعم. - القاضي: وأمام طوابير العمال والفلاحين؟ - المتهم: نعم. - القاضي: وأمام تماثيل الأبطال، وفي مقابر الشهداء؟ - المتهم: نعم. - القاضي: وأمام مراكز التطوع والمحاربين القدماء؟ - المتهم: نعم. - القاضي: وأمام أفواج السياح، والمتنزهين؟ - المتهم: نعم. - القاضي: وأمام دور الصحف، ووكالات الأنباء؟ - المتهم: نعم، نعم، نعم. - القاضي: الوطن… حلم الطفولة، وذكريات الشيخوخة، وهاجس الشباب، ومقبرة الغزاة والطامعين، والمفتدى بكل غالٍ ورخيص، لا يساوي بنظرك أكثر من حذاء؟ لماذا؟ لماذا؟ - المتهم: لقد كنت حافيًا يا سيدي!.

  *رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا