النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

وداعًا أيها اللبناني الشهم...

رابط مختصر
العدد 11177 الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأولى 1441

«صباح الخير يا عزيزي.. لقد قرأت مقالك عن الانتفاضة في بلدين يخضعان بشكل أو بآخر لنفوذ الجماعات التابعة لإيران، وقد لامست الواقع في الكثير من النقاط التي أثرتها، ولكن في وصفك لـحسن نصر الله بـ(المجنون) لم تلامس الواقع...». هذا أهم ما جاء في تعليق تلقيته قبل أيام قليلة من الصديق اللبناني غازي قوبر على مقال كتبته في هذه الصفحة بعنوان «العراق ولبنان ينتفضان». ما كان لهذا الصديق أن يأخذ في مقالي هذا صفة المرحوم وأنا أكتب له شخصيًا ردي على ملاحظته في «الواتسآب»، لكن إرادة الله شاءت ألّا يقرأ الصديق ردي، وشاءت أن يكون الرد على هذه الملاحظة من خلال مقال أرثي في جزء منه الصديق، وألزمتني المشيئة الإلهية ذاتها أن أذكر اسم صديقي مسبوقًا بصفة المرحوم، وأن ألتزم ببيان سبب وصفي رجل إيران الأول في لبنان زعيم «حزب الله» بمجنون الضاحية، وفاء مني لعادة ألفتها في التعامل مع ما يرد عليّ من ملاحظات، وإكرامًا لذكرى صديقي الشهم غازي رحمه الله.

 للأسف، لم يسعفني القدر أن أوضح لصديقي الكثير مما يدعو أي متابع للشأن اللبناني إلى أن يختار أي وصف له علاقة بسوء السلوك ليسِم به ما يأتيه حسن نصرالله من أفعال ويختار أي وصف ليتناسب مع هذا السلوك الذي أردى بلبنان في وحل الطائفية ورمى بها بين براثن الفساد وهما السببان المسؤولان عن حالة الفقر التي ألمت فجأة بالمجتمع اللبناني وجعلته يكفر بواقع الحال الذي يُريد له مجنون الضاحية الاستمرار، فبعد أن كان يشار بالبنان إلى لبنان بوصفها بلد الصحافة الحرة، اللغة العربية، الإعلام الحداثي، الموضة، الفن والغناء، البلد الذي يتمتع بما لا تتمتع به كثير من بلدان الشرق الأوسط. صار لبنان رمزًا من رموز التفقير الممنهج والفتك بسيادة الدولة وهيبتها والتفتيت الطائفي.

 كنت سأوضح لصديقي أن ضمور حضور مؤشرات نهضة لبنان في المجتمع اللبناني كانت سببا رئيسا لوصفي حسن نصر الله بـ«مجنون الضاحية»، فما من عاقل يفقأ عينيه نكاية في إخوانه وشركائه في الوطن فيبيح لنفسه متسلحًا بشعارات الممانعة والمقاومة وغيرها من بخس الشعارات في سوق الكلام أن يعبث بالدولة ومقوماتها.

 القدر لم يسعفني، لقد مات الصديق الذي أمضيت معه، برفقة صديق ثالث عرفني عليه في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل أكثر من 20 عامًا، خمسة أيام في ربوع مينسك، منهما يومان كنا فيهما ضيوفًا في بيته في مدينة «بارنوفيج» مع ثلة من أصدقائه المقربين. ومن أهم خصال المرحوم التي لمستها أو سمعتها من صديقي الذي عمل معه في الإمارات لمدة 30 عامًا، والتي ينبغي عليّ ذكرها احترامًا لروحه الطاهرة أنه كان رقيق المشاعر، عزيز النفس، نظيف اليد، عالي الخلق، كريمًا. رحمك الله أيها الصديق العزيز وتغمد روحك بواسع رحمته ورضوانه. لقد عشت في المهاجر - اختيارا - متنقلاً بين دولة الإمارات وبيلاروسيا قبل أن تستقر في كندا، ولكن هذه المهاجر لم تسلبك وطنيتك وحبك لشعبك. ووفاء مني لروحك وتقديرًا مني لحبك لبنان حبًا جنونيًا سأمضي في هذا المقال موضحًا ما لم توافقني فيه الرأي عسى أن يكون تعبيرًا عقلانيًا لحبي أنا أيضا لبنان، وتوضيحًا مني لآخرين يشاطرونك نفس الرأي.

 كنت سأقول لك يا صديقي إن الحروب التي أدخل فيها «حزب الله» لبنان تحت زعامة مجنون الضاحية دمرت اقتصاد بلد يتخذ من الفلاحة والسياحة موارد رئيسية لخزانة دولة انفض من حولها المستثمرون لأنها دخلت في دوامات العنف والحروب والتناحر. كنت سأخبرك بأن معاناة المواطن اللبناني الذي انتفض اليوم طالبًا رحيل طبقة سياسية بأكملها قد صنعها حسن نصر الله بجنون عظمة طائفية ظاهرة قدمت مصالح الولي الفقيه على مصالح الوطن، فالفساد الذي يتظاهر الشعب اللبناني ضده اليوم، صنعه هذا المجنون، والاستقطاب الطائفي الحاد المستمر منذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990 غذّاه هذا المجنون ورعاه، وتعطيل دواليب الدولة بافتعال الأزمات الدستورية صنعه هذا المجنون، وفساد الإعلام نحت معالمه هذا المجنون وحزبه بمباركة وتواطؤ من أمثاله من الفاسدين. كنت سأقول لك إن الاحتجاجات التي بدأت تأخذ منحى واضحًا في اتجاه الثورة على تأسيسات «حزب الله» والأحزاب الطائفية الأخرى قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الشعب اللبناني عصي حرفه إلى ممارسة أدوار ليست أدواره.

 الاحتجاجات (الثورة) ستبين في القريب العاجل موقف مجنون الضاحية الحقيقي الذي لم تعكسه بعد بشكل صريح خطبتاه السابقتان رغم أن موقفه برمته من مطالبات المحتجين أو الثائرين معروف، وهو أن يبقى الحال على ما هو عليه، أي أن تبقى المحاصصة الطائفية هي التي تقرر مصير الحكومة القادمة؛ لأن في التغيير الثوري خطرًا على مصالح إيران التي يقر بولائه وانتمائه لها بدلاً من لبنان. وأنا على يقين، بالنظر إلى عمل إيران في العراق، من أن ممارسات عنفية من عناصره وميليشياته قادمة في الطريق بضراوة أشد مما حدث في العراق. والحمدلله أنك لن ترى يا صديقي الدماء التي سيسهم «حزب الله» في إسالتها في لبنان؛ لأن هذا لا يتسق مع كم الإنسانية التي تتمتع بها أيها الراحل الكريم.

 صديقي الراحل، كم هو مؤلم أن أحاورك وأنت بعيد عن دنيانا، ولكن ما أنا واثق به ومنه، أن قدر لبنان أن يعود بهيًا نظيرًا بعد أن يلفظ زوائد التاريخ، ويتخلص من التابعين الفاسدين، سيعود لبنان الذي تحبه وترضاه، وستفتخر وأنت هناك بأنك من شعب دحر الظلام والظلاميين وقهر الفساد والفاسدين بانتفاضة جميلة انقلبت ثورةً في وجه التخلف والمتخلفين. فوداعًا صديقي، وداعًا أيها اللبناني الشهم...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا