النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

صورة العربي في سرديات أمريكا اللاتينية (5)

رابط مختصر
العدد 11176 الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأولى 1441

كان الوافد الشرقي لافتًا بشخصية «البائع الجوال» وتاجر السلع في محل ثابت أو مخازن (الحانوت)، وبهذه الصفة والنعوت ظهر في السرد القصصي في بلادنا. 

هذا الوضع لصورة وحالة العربي لم تكن وردية في المهجر ففي مرحلة قبل الانصهار كانت بعض الحالات تم رفض الباعة الجائلين في قطاعات أقل تهيؤًا للجاليات العربية في المدن الكبرى، مثل سان باولو وريودي جانيرو وسانتياغو او بوينوس ايرس، حيث أطلقوا عليهم نعت «الاتراك» مما جعلهم يتقيدون في البداية بالاحياء الاكثر تواضعاً.

 وفي كوبا في العقود الاولى للقرن العشرين لم تكن سياسات الرفض كثيرة، بل ظهرت في جرائد ذات أهمية نسبية. 

هذه المضايقات أيًا كان مصدرها وتنافسها التجاري والمهني، لم تفت من عضد المهاجر العربي في أقصى نقطة من العالم، فقد ساهمت التطورات والمتغيرات لصالحه في تلك البلدان فعقب الحرب العالمية الاولى تحولت المدن اللاتينية الكبرى الى أسواق كبيرة للسلع الاوروبية، في اللحظات التي فيها شهدت دول القارة نموًا اقتصاديًا تابعًا لاقتصادات أجنبية مثل الولايات المتحدة. 

عرفت القارة قرقعة المصانع ودخول الكهرباء وتدشين المواصلات واكتشاف المناجم والنفط والطاقة، كلها ستتيح فرصا لازدهار المهاجرين العرب وتحولاتهم الاجتماعية والمهنية والطبقية في الجيل الثاني والثالث، وستصبح صورته في السرد مختلفا عن شخصية ونعوت صورة الجيل الاول.

 لقد كان «الاندماج» بالتدريج في الدول اللاتينية نظرًا لعناصر مختلفة، اقتصادية وسياسية واجتماعية، - دون رفض الوافد الشرقي في الاندماج (الى حد الذوبان لتلك الهوية وضياع الشخصية واللغة والثقافة /‏ الملاحظة من عندنا وتحتاج وقفة اخرى عند معالجة مسألة الهويات في مجتمعات جديدة) بشكل كبير في المجتمعات المضيفة. 

وكان من بين العناصر التي سمحت بتحسين صورة العربي في الدول التي توجه اليها هو دخول جيل الابناء الى الحياة المهنية، والعلاقات المتداخلة والكاملة مع أبناء الاغلبية المجتمعية، ودخول المهاجرين وأبنائهم الحياة السياسية، كذلك تشكيل قطاعات اقتصادية لها سلطتها داخل الجاليات العربية، التي بمجرد أن شغلت صفوف الطبقات الاجتماعية العليا، حازت على تقديرهم واحترامهم. بعيدًا عن التعاطف الوجداني مع العربي قبل مائة عام، فإن ريجوبيرتو الباحث الكوبي يؤكد قائلاً: «هكذا قدم الوافدون العرب خلال قرن من الزمان، إسهامات جلية لدول أمريكا اللاتينية». وفي هذا الجانب أوضح جارثيا اوستا كيف كانت خطوات الانتقال من صفة الوافد الى التكامل والاستيعاب خلال مائة عام، وهو أكبر من عدد رمزي خلده الروائي غارثيا ماركيز في افضل رواياته، حيث استمرت عملية الهجرة العربية في امريكتنا ما يقرب من قرن: «لقد انتقل العربي من قيود اللغة الى المهارة التجارية التأسيسية، ومن العزلة الاولية الى تحويل محله او مخزنه الى محاور للحياة القروية والحضرية، ومن الخطابات الى عائلته البعيدة ليطمئنهم بعودته، الى انصهاره في المجتمع الكولومبي النهائي، ومن التدين المركّز الى التفاوض الثقافي، ومن حقيبة التجارة المتجولة البطولية الى المتاجر الثابتة والمحترمة، والاستثمار في تربية الماشية والزراعة والصناعة، ومن تهديد المنافسين العدائي الى الحركة الاجتماعية، وتشكيل شبكات تجارية، والوصول للسلطة القضائية الاولى بالامة، ومن الابداع في صناعة الثلج والتجارة على بغلة، والسفر الاقليمي الى الابحاث الجينية والتقدم في شتى فروع الطب، وتجديد الصحافة والشعر والتصوير الفوتوغرافي، وتصميم الملابس والموسيقى القومية. مائة عام لم تكن قليلة». 

هذا النص الجميل، يختزل مدى التطور التاريخي للشخصية العربية منذ هجرته الاولى وفي داخل ثلاثة اجيال متلاحقة متعاقبة، كلها انعكست في المجال السردي لصورة العربي وهو يتجول - «بصرته على ظهره ثم ببغلته» - قبل مائة عام مشيا على قدمية مسافات بعيدة لتسويق سلعته، تحت ظروف مناخ استوائي ممطر قاسي وضنك حياة صعبة وقطاع طرق لا يرحمون، تحتاج لشحنة هائلة من الكدح والصبر الانساني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا