النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

الأستاذ الجليل فالح العبدالله

رابط مختصر
العدد 11176 الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأولى 1441

نشرت جريدة الايام في العدد 11151بتاريخ 20 اكتوبر 2019 مقالاً للدكتور عبدالله المطوع بعنوان «فالح العبدالله»، والمصدر الذي استقى المقال منه المعلومات الشخصية عن الاستاذ فالح العبدالله هو كتاب «التقاعد البحربني بين الأصالة والمعاصر» للاستاذ محمد عبدالغفار العلوي، فالشكر الجزيل مشفوعًا بالتقدير حق علينا لكاتب المقال ولمؤلف الكتاب لإحيائهما ذكرى إنسان عظيم واستاذ جليل. الاستاذ فالح العبدالله لم يكن أستاذا بالمعنى الوظيفي، بل كان مديرا للمدرسة، ولم يكن مديرا كبقيّة المدراء، بل كان أستاذا في مديرّيته، وذلك لصفات خاصة من فطرية شخصيته المميزة، فقد مكنته شخصيته المميزة أن يكتسب ثقة واحترام إدارات ووزارات التربية والتعليم المتعاقبة، منذ بدء حياته التعليمية إلى اليوم الذي سلم فيه أمانة التعليم إلى مدير جديد من جيل جديد، أربعون عاما، من عام 1935 إلى عام 1975، وهو الاستاذ المدير في مدرسة الرفاع الشرقي للبنين، مساحة من الزمن تقارب النصف قرن، ولم يكن لأحد أن يشغل هذه المسافة الزمنية في مدرسة واحدة إلا من كان أهلاً لها، أهلاً لثقة المسؤولين وأهلاً لاحترام الاهالي في المدينة (الرفاع الشرقي). إن مميزاته الشخصية كانت كتلة متكاملة مترابطة من الملكة القيادية في كامل حلتها الريادية، ونفس راقية مدفوعة بشعور أصيل بالمسؤولية، وروح نابضة بحكمة العظماء... فقد كان جليلا في أستاذيته، وعظيما في إدارته الحكيمة، وكان يتحمل أكثر من طاقة البشر في تحمل مسؤولية التربية والتعليم في مدرسته، ولهذا فقد إستحق بجدارة أن يسمي أهالي الرفاع الشرقي المدرسة باسمه «مدرسة الاستاذ فالح»، وهذا شرف عظيم يستفرد به أستاذنا الجليل... ليس هناك ولم يكن هناك قط مدرسة تسمى باسم مديرها، إلا مدرسة الرفاع الشرقي للبنين التي حل محل اسمها الرسمي اسم اجتماعي - شعبي وهو «مدرسة الاستاذ فالح»... 

لقد بلغت مكانة الاستاذ فالح العبدالله تلك المكانة الرفيعة عند أهالي الرفاع الشرقي أن كلمة «أستاذ» مجردة كانت تجري على جمبع الالسن وهي تشير بوضوح إلى الاستاذ فالح. وأبناء الجيل الذين تخرجوا من هذه المدرسة يفتخرون بأنهم كانوا ذات يوم تلاميذ في مدرسة الاستاذ فالح، وإلى اليوم عندما يمر تلاميذ ذاك العهد على المدرسة وقد تخطى اكثرهم الستين والسبعين من العمر يشيرون إلى المدرسة بمدرسة الاستاذ فالح، وصورته تظهره الذاكرة الحية بحنين إلى تلك الايام وبحب وإجلال للأستاذ الجليل. ظاهرة فريدة من نوعها تستفرد بها الرفاع الشرقي، ولم تكن لهذه الظاهرة وجود في أية مدينة او قرية أخرى في البحرين، ولا أتصور أن تتكرر هذه الظاهرة، لا في البحرين ولا خارج البحرين. ظاهرة أن يكون لمدرسة إسمين، إسم رسمي وهو «مدرسة الرفاع الشرقي للبنين» واسم شعبي وهو «مدرسة الاستاذ فالح»، وكان الاسم الشعبي يطغى على الاسم الرسمي، لأنه هو الاسم المتداول على الالسن... 

في زاوية حية وحاضرة دائما في ذاكرة كل إنسان يعيش قلة من البشر، وعلى رأس هؤلاء هم الأم والأب، وهناك قلة أخرى يعيشون في تلك الزواوية ممن تركوا الأثر العظيم في حياة الانسان، وكل من تخرّج من مدرسة الاستاذ فالح العبدالله، فإن لهذا الاستاذ الجليل ذاك الأثر العظيم الذي يفرض إحترامه وتقديره ويعيش في تلك الزاوية الحية في ذاكرة كل التلاميذ الذين تخرجوا من مدرسته، مدرسة الاستاذ فالح، لم تكن مدرسة كبقية المدارس، لقد كانت مدرسته منارا للتربية والتعليم والأخلاق وحسن السلوك، كان يدير المدرسة إدارة أستاذية، فكان بهذه الصفة النادرة المميزة أستاذا للجميع... كان الاستاذ لا يعلم التلاميذ فقط، بل كان أستاذا للمعلمين ولأولياء الأمور، وللرفاع الشرقي قاطبة، كان حديث الأمهات والآباء... كان شعلة تنير كل بيت... وأثناء أدائه لمهامه الإدارية، ما كان ليستقر قابعًا في مكتبه، وهو المدير، كبقية المدراء، بل كان كتلة من النشاط المتحفز دائما، يتنقل من صف إلى صف، يُصغي إلى المدرس كيف يعلّم ويُصغي إلى التلميذ كيف يتعلّم، يجول بعينيه، محولاً النظر بين المعلم والتلاميذ، ليستوعب طبيعة النفوس في التعامل بين المعلم والتلميذ، وبين التلميذ والتلميذ... كان مديرا واستاذا تربويا بامتياز.

كامل الصفات في استاذيته، فقد كان مدرسة بذاته، قامته الطويلة وبنيته القوية كانت تُوحي بالحرم المدرسي، نظراته كانت تلقّن الحاضر دروسًا، وحركاته كانت سريعة ثابتة توحي بمهمات كبيرة، أما كلماته فقد كانت درر من الحكمة، حكمة في التربية وحكمة في التعليم وحكمة في التدبير والتوجيه... 

كان جبارًا ليس كبقية الجبابرة، جبروته كانت من نبت الفطرة، ولم يكن مكتسبًا، لا من وظيفة ولا مال ولا قبيلة، وهكذا فإن طبيعة جبروته كانت حكيمة حليمة ودودة، وكي أعطى هذه الصفة النادرة حقها في شخصية الاستاذ فالح، رأيت أن أقتبس شطرًا من بيت لعمرو بن كلثوم حين قال: «... تخر له الجبابر ساجدينا...»... تخر له، نعم، لا خوفًا ولا جزعًا ولا ارتعابًا ولا تزلفًا، تخر له إجلالاً وحبًّا وإعجابًا... ومع هذا الاقتباس فقد حولنا غرض الشاعر من سياقه المقصود، وهو العصبية القبلية، إلى سياق مناقض وأرقى، سياق الاحترام والتقدير إلى مرتبة الإجلال... 

هذا أقل بكثير مما يستوجب قوله في حق أستاذنا الجليل فالح العبدالله، فحقّه علينا كثير وحمله ثقيل، ورد الجميل لهذا الحق، مهما كبر، لا يوفي الجميل حقه... إنه بحد ذاته سفر من الأسفار النادرة...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا