النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11204 الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    6:15AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

المتاجرة بالأحلام

مخاطر التخلي عن رسالة المثقف التنويرية

رابط مختصر
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441

قال الصديق:

لماذا يتفاجأ المثقفون العرب بالهبات الشعبية وبتحولات الشارع العربي؟ والمفاجأة قبلية وآنية وبعدية. بمعنى غياب الاستشراف وغياب المواكبة، وعدم الاكتراث بتحليل الظواهر والتحولات التي تجتاح العديد من المجتمعات العربية، تاركين الساحة للناشطين السياسيين وللحزبيين الذين يتعاملون مع الواقع لحظيًا، مما جعل أغلب تلك الهبات الشعبية من دون من دون فكر يقودها في الغالب الأعم. ولذلك أرى من المدهش هذا الغياب شبه التام للمثقفين البارزين سواء قبل الأزمات أو أثناءها أو بعدها أو خلال الحوارات التي يشارك فيها الجميع إلا المثقفين، سواء بمؤسساتهم أو بذواتهم.

 

قلت للصديق:

لا اتفق مع هذا التعميم ومع هذا اللوم والتقريع، وحتى لا نقع في التعميم المخل لابد من التوضيح بأن هنالك الموقف الثقافي والإبداعي الذي واكب ويواكب الحراك السياسي العربي بكل تعقيداته ولتخليصه من شوائب الاصطفاف الفئوي -نذكر من ذلك بيانات ومساهمات العديد من المثقفين والمبدعين الفنانين. كما لا يمكن أن نغفل عن بعض المقالات التحليلية التي قاربت الحالة العربية، ولكن يجب أن نعترف أنها لا تشكل -على أهميتها- تيارًا ثقافيًا او موقفًا مؤثرًا في الأحداث أو في الحوارات في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة التي يكاد يغيب عنها المثقف كوجود وكفكر، بل إننا لا نكاد نعثر على مثل هذا الحضور منذ أكثر من ثلاثة عقود من حياة السياسة العربية، فالساحة يتصدرها من ترتفع أصواتهم عاليا، وأغلبهم سياسيون - وهذا طبيعي لأن المرحلة سياسية بامتياز - ولكن يشارك فيها الدعاة والغوغائيون بخطاباتهم الشعبوية التي تتاجر في الغالب بأحلام الناس، فيما ينكفئ المثقف على نفسه او ينعزل، مفضلاً الجلوس على الربوة حتى لا يقع في مرمى النار والاستهداف من هنا وهناك. فيتخلى بذلك عن رسالة المثقف التنويرية. ومع ذلك لا يمكن أن تحمل المثقف المسؤولية كاملة، لأنه يعيش في حالة التهميش الكامل مكانًا أو مكانة.

 

قال الصديق:

لا تنسى أن قسمًا من المثقفين قد انتقلوا الى منطق الرقص على الموائد، واللعب على الحبال.

 

قلت للصديق:

قد يكون في بعض ما تقول بعض الصحة ولكن أرى فيه ظلمًا واضحًا، فجل المثقفين العرب الذين أخلصوا للأفكار العربية وللأحلام العربية في الاستقلال والتنمية والتقدم والحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية، وتزعموا موجات فكرية وأيديولوجية أو تأثروا بها وواكبوها، كانوا يعتقدون فعلًا أن تحقيق آمالهم كان على قاب قوسين أو أدنى، ولكن التجربة العربية المريرة والخيبات السياسية والعسكرية والاقتصادية أفضت إلى تتالي الهزائم والنكوص عن الثوابت، فالواقع كان أقوى من الآمال.. فاليساري العربي كان يرى مجتمع العدالة والتوزيع العادل للثروة على مرمى حجر، ولكن هذا الحلم تبخر أمام غول الواقع واستشراء الفساد والتسلط السياسي والاقتصادي، وهيمنة النموذج الرأسمالي على الحياة عامة، والمثقف العروبي كان يعتقد أن في الإمكان بناء دولة الوحدة والعدالة والحرية والكرامة في مواجهة مشاريع التجزئة، وأن الأمة ستنتصر في آجال قريبة، فانهارت أحلامه عندما استبدت القطرية بالجميع وازددنا ابتعادًا عن بعضنا البعض في الوقت الذي ازدادت فيه الشعوب الأخرى توحدًا، وقس على ذلك أوضاع المثقفين الذين يخرجون من بين هذين التيارين، من ليبراليين وإسلاميين بكافة ألوانهم، فلكل طرف حلم لم يتحقق، وتضافرت مع انهيار الأحلام عوامل أخرى عديدة تدفع المثقف إلى نوع من اليأس والاكتئاب وجلد الذات. فالمثقف المخلص لمبادئه ينهار عندما يرى أبناء جيله ممن كانوا معه في الصف الأول دفاعًا عن موقف أو فكرة، قد انقلبوا على أعقابهم وأصبحوا أشد الناس تطرفًا وشراسة ضد القيم التي اعتبروها ذات يوم مدخلًا للحداثة والتقدم والوجود الحي للإنسان الرافض للطائفية وبؤسها، ولتمجد شؤون المال والأعمال على حساب رسالة التنوير، ولقد بينت التجارب أن المثقف عندما يخون لمبادئه يكون أخطر من السياسي وأقل رحمة منه. وقد عرفت العقود الثلاثة الأخيرة العربي موجه من أمثال هؤلاء المثقفين. ولا يقل خطورة عن مثل هذا الموقف ذلك الانسحاب الصامت من الحياة الثقافية والسياسة عامة، أو اللامبالاة كعنوان للتدمير الصامت للذات، خلية خليه، لكيلا يسهم في الحياة، وهو من كان يحلم بواقع أفضل، وهذا ما نلاحظه بين أوساط المثقفين الذين فضلوا الانسحاب من الحياة الفكرية والسياسية، والعيش في التهويمات اللغوية.

وإذا كان جيل النهضة العربية الأولى في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين قد رسم طريق الأمل نحو (استعادة) الحياة فكريًا وثقافيًا، فإن جيل الاستقلال الأول قد فشل في ترجمة الأحلام الثقافية إلى واقع.. حتى في أشد التجارب العربية الثقافية تقدمية واستنارة، فلقد بقيت نفس تلك الأفكار التقليدية سائدة، وبقيت نفس الفوضى الفكرية والثقافية قائمة، بل حتى مساحة الجرأة والحرية الفكرية تقلصت بالقياس إلى عصر طه حسين ولطفي السيد وقاسم أمين مثلاً. أما اليوم فالانسحاب هو السائد. 

 

قال الصديق:

يمكن أن أضيف إلى ذلك هذه النزعة الانعزالية المحافظة ورفض الانفتاح على العالم. فتاريخ الشعوب يبين أن الحضارات تتراجع كلما دخلت شعوبها في مرحلة الانغلاق والانسحاب والدفاع عن النفس. فنحن لم ندخل مرحلة الانحطاط إلا مع هيمنة الفكر المتشدد الداعي إلى الاكتفاء بالتقاليد. ولم تحقق اليابان نهضتها إلا عند خروجها من انغلاقها في منتصف القرن التاسع عشر. نفس الوضع بالنسبة للصين وأوروبا. وتشترك مختلف هذه الحالات في نقطة أساسية وهي أن الوعي بالآخر كان نتيجة طبيعية للوعي بالذات أي الوعي بالإنسان كقيمة. على عكس الواقع العربي الحالي حيث إن الوعي بالذات كان امتدادًا للخوف من الآخر ومن كل المفاهيم التي يمكن أن ترتبط به مثل الحرية والمواطنة والحقوق.

قلت:  تلك قصة أخرى وحكاية أكثر تعقيدًا.

همس

في حدائق اللقاء

كل صباح

ألتقي وردة العشق،

ورقصة الحمام والزنابق.

تحتَ المطر

نكون وحيدين...

خلف الغيوم والعتمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا