النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

مجلس التعاون.. الحلم الجميل (3)

رابط مختصر
العدد 11174 الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 الموافق 15 ربيع الأولى 1441

بعد استعراض التهديدات الخارجية الخطيرة التي واجهها مجلس التعاون، والخلافات الداخلية المتوارثة قبل وبعد استقلال دوله في المقالين السابقين، يسلّط مقال اليوم الضوء على الخلاف الذي تفجَّر يوم (5 يونيو 2017م) بإعلان المملكة العربية والسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين وجمهورية مصر العربية قطع علاقاتها مع دولة قطر؛ لتتوَّج جميع مراحل التعقيد السياسي والأمني الذي تعيشه المنطقة منذ قرون طويلة، وتهتز أركان منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتتبعثر جهود سنواتٍ طوال لتحقيق حلم (الاتحاد الخليجي).

ولتشهد منطقة الخليج -بسبب هذا الخلاف الخطير- حالة عصيبة لم يشهدها التاريخ، وتعيش شعوبها في ذهول وحيرة وترقّب مستمر بعد أن تحوَّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى سلاحٍ فتَّاك تجاوزَ كل الخطوط الحمراء التي تحكم العلاقات، فاتَّسعت هوّة الخلافات بين الأشقاء بعدما كانت تُعالج بصمت وسرية وبتكتم شديد وبعيدًا عن الأضواء طوال العقود الماضية حفظًا للعلاقات الأخوية والروابط العائلية، وامتدَّت دائرة الخلاف لتشمل (دولة الكويت وسلطنة عُمان) لانعكاس مواقفها على استمرار الأزمة.

إن التحديات المتجددة التي يعيشها الوطن العربي عمومًا ودول الخليج العربي على وجه الخصوص والتهديدات المستمرة من قِبل دول الجوار وبالذات من الحليفين العراق وإيران اللذين اجتمعا ضد دول مجلس التعاون؛ تجعل منطقة الخليج تعيش على فوهة بركان، حيث إنه لا فائدة تُرجى من الاتفاقيات الدفاعية والأمنية والاقتصادية الخليجية التي كانت تؤكِّد على الدفاع عن استقرار الأرض الخليجية وحفظ أمنها وحماية مصالحها المشتركة وتحقيق تطلعات وآمال شعوبها وصولًا إلى الاتحاد الذي نصَّت عليه المادة الرابعة من النظام الأساسي للمجلس؛ فقد سقطت جميع تلك الاتفاقيات بما تضمَّنته من أهداف في أول اختبارٍ لها عام (2013م) وهو العام الذي وُضعت فيه على المحك حين بدأت بوادر الأزمة القطرية تظهر على السطح، وقام على إثرها قادة دول مجلس التعاون ومن بينهم سمو أمير دولة قطر بالتوقيع على (اتفاق الرياض والاتفاق التكميلي وآلياته التنفيذية) في (نوفمبر 2014م) والذي كنتُ أحد المشاركين في اللجنة التي عملت على صياغة مسودته، وكان هدفه التوصّل إلى حل جذري للمشاكل الناتجة عن التصرفات غير المقبولة وغير المسؤولة التي تعرِّض أمن دول الخليج واستقرارها للخطر الشديد.

إلا أن عدم التزام دولة قطر بتنفيذ أيّ من بنود الاتفاقيتين خلَقَ حالة عدم الثقة بينها وبين دول المجلس ليتفجَّر الوضع وتنتقل العلاقات الخليجية من (مرحلة الخلاف) إلى (مرحلة القطيعة)، ويُغلق باب المصالحة نهائيًا رغم وساطة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت، لتستكمل قطر تنفيذ مخططاتها الهادفة لإسقاط أنظمة الحكم الخليجية المستقرة منذ مئات السنين، وليّ في تفاصيل هذا الموضوع مقالاتٌ عديدة تناولته فيها بالشرح والتحليل الموضوعي.

إذن، فاتفاق الرياض هو رَدّ فعل طبيعي لبعض دول الخليج التي حرصت على حفظ أمنها واستقرارها بعدما آلت الأوضاع في بعض الدول العربية إلى فوضى سياسية عارمة جرَّاء تبعات ما يُعرف بثورات الربيع العربي التي أطاحت بقادة عدد من الدول عربية، وزعمت بتحقيق تحول نحو الديموقراطية والتعددية وإنهاء حكم الحزب الواحد، فانتشرت موجة ثورات التحركات الشعبية في عددٍ من الدول شملت بعض دول الخليج كمملكة البحرين وسلطنة عُمان ودولة الكويت.

فاستدعت هذه الظاهرة وما آلت إليه من تحوُّلات جسيمة أن تتحرَّك بعض دول المجلس لحفظ الأمن وضمان الاستقرار وتحصين منطقة الخليج من ارتداداتها، وذلك في تحركين بارزين:

الأول: مشروع المارشال الخليجي، والذي تمّ باتفاق وزراء خارجية دول مجلس التعاون خلال الاجتماع الطارئ الذي عُقد في (مارس 2011م) ويتضمَّن منح مملكة البحرين وسلطنة عُمان (عشرة مليارات دولار) خلال عشر سنوات قادمة بواقع مليار دولار لكل سنة لمساعدتهما على تنفيذ المشاريع التنموية والبنى التحتية ومواجهة أوضاعهما الاقتصادية والاجتماعية والتخفيف من حدّة المطالبات الشعبية وتجنب تعرّضهما لشرارة الربيع العربي، ورغم المباركة الخليجية لهذا المشروع إلا أن دولة قطر هي الدولة الوحيدة التي لم تدفع حصتها المُتفق عليها لمملكة البحرين حتى اليوم، وهي التي اقترحته من خلال وزير خارجيتها آنذاك الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني!

الثاني: الاستجابة لطلب مملكة البحرين في (مارس 2011م) بالاستعانة بقوات درع الجزيرة لحماية مؤسساتها ومنشآتها الحيوية والاقتصادية كمصفاة النفط ومصنع ألبا ومحطات الكهرباء وحفظ حقها السيادي في الدفاع عن أمنها واستقرارها والتصدي لأيّ تدخلات خارجية وحماية حدودها البحرية الشمالية خشية التدخل الإيراني الذي كان متوقعًا بعد أن دعت المعارضة الطائفية المدعومة من إيران وقطر إلى تغيير نظام الحكم في انقلاب صريح ضد الشرعية، فوصلت البحرين إلى أخطر مراحل تاريخها الحديث في مواجهة المؤامرات الخبيثة التي حاكتها الدول الصديقة والحليفة صاحبة المصالح في المنطقة.

فقد وجدت دولة قطر في ثورات الربيع العربي المزعوم فرصة ذهبية لتحقيق حلمها بتسيّد الأمة العربية، فالتقت أهدافها مع الأهداف الخبيثة للولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتركيا،  فبدأت تنفيذ خطة الإطاحة بالأنظمة الخليجية القائمة ابتداءً من البحرين وسخَّرت كافة جهودها وإمكانياتها وأموالها وإعلامها لتحقيق حلمها بإنهاء حكم آل خليفة وآل سعود خلال عشر سنوات وتحالفت من أجل ذلك مع (تركيا)، فمهَّدت الطريق لصعود تيار الإخوان المسلمين، رغم يقينها أن النهج الإخواني يتعارض تمامًا مع سياسة دول مجلس التعاون، إلا أن سيطرة (تنظيم الإخوان المسلمين) على فكر أركان الحكم القطري صوَّرت لهم بأنه من السهل على قطر أن تكون مركز القرار العربي وتحكمه ماليًا بملياراتها، وسياسيًا بنشر النهج الإخواني في كل الدول العربية خصوصًا بعد نجاح المخطط الإخواني في مصر وتونس، نظرًا لقدرته التنظيمية والحشد الشعبي الذي يتمتع به في الدول العربية ومنها الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت.

لذلك، كان من الطبيعي جدًا أن تتزلزل علاقات دولة قطر مع دول الخليج المتضررة من سياساتها ومؤامراتها، فلم تكن المؤامرات الخبيثة التي حاكتها بالأمر الهيّن، فرغم المحاولات المتكررة التي قامت بها بعض دول مجلس التعاون لردعها والجهود المضنية التي تُدار لسنوات طوال بصمت وسرية وبتكتم شديد حِفظًا للعلاقات الأخوية والروابط الجامعة بين دول مجلس التعاون، إلا أن تمادي قطر في التآمر ومكابرتها وعدم اعترافها بما اقترفته سياساتها من جُرم في حق أشقائها، وتمويلها ودعمها للإرهاب والإرهابيين كالتسجيلات التي كشفها الرئيس الليبي معمر القذافي قبل اغتياله من قبل المخابرات القطرية والاتصالات المتبادلة بين رئيس الاستخبارات القطري وقادة الإرهاب في مملكة البحرين، أوجد حالة رهيبة من فقدان الثقة في النظام القطري الحالي، وزادت هوّة الخلافات بين الأشقاء، فانتقلت العلاقات الخليجية الأخوية من مرحلة الخلاف المستتر بالابتسامات والمجاملات إلى مرحلة القطيعة المكشوفة التي لا بوادر لنهايتها!

حيث تعاملت قطر مع الأزمة من منظور الثروة المالية التي تمتلكها، والتي تستخدمها لتخدير شعبها الخاضع لحكم الفرد الواحد المطلق وكسب ولائه بطريقة بعيدة كل البعد عن نهج التعددية السياسية وأساليب التحضّر والديموقراطية الحديثة التي تتغنَّى بها وتدافع عنها، وهي في ذلك كلّه لم تقرأ الأحداث بصورة صحيحة، ولم تضع مصلحة الشعب القطري فوق اعتبارات الكبرياء والغرور والتعالي والمكابرة؛ فدعمت كل خطط الفوضى في مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات لإسقاط أنظمتها الحاكمة وللانتقام للموروث الاستعماري القديم المتعلق بخلافاتها الحدودية معهم! 

إذن، وبقراءة سريعة للواقع السياسي الخليجي، فإن كل المؤشرات تبيِّن  بأنه لا حلَّ  في الأفق يُنتظر للأزمة القطرية، وبها يُسدل الستار على حلم جميل رافق نشأة (مجلس التعاون) وراود مواطنيه، فوصل إلى مرحلة اللا عودة .. وأصبحت نهايته مؤسفة كنهايات الاتحادات العربية الفاشلة التي سبقته!

 

 

* المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا