النسخة الورقية
العدد 11176 الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

الحرية ونقيضها

مشكلة تدني مستوى التخاطب مجددًا

رابط مختصر
العدد 11173 الإثنين 11 نوفمبر 2019 الموافق 14 ربيع الأولى 1441

كتب لي أحد الأصدقاء الذي احترمه كثيرًا لما يتميز به من فكر حصيف ورؤية عقلانية للقضايا كافة:

لم أرك كتبت أو تكتب حول ما أصاب خطابنا الاجتماعي والسياسي والإنساني والإعلامي من تدن غير مسبوق، مع ان من بين أدوار الكاتب ان يقرع جرس الإنذار عندما يرى هذا الخطر الداهم يفسد حياتنا وقيمنا وعيشنا المشترك؟ أفلا ترى هذا التيار الجارف الذي يكتسح الفضاء الإلكتروني وما يحمله في كل دقيقة وثانية من شتائم وسباب والتعرض للأعراض والإساءة للبشر، بالكذب والتلفيق والتلبيس والتحريض ضد الأفراد والجماعات وكيف تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى أداة للقتال اليومي، فتغيب عن اللغة السماحة واللطف والاحترام والتعاطف والأدب الذي نشأنا عليه؟ أين الرد على الفكرة بالفكرة والرأي بالرأي ومناقشة الأفكار والآراء بعيدا عن السباب والشتائم؟ المصيبة أكبر من أن ينتقل هذا السلوب إلى بعض النخبة السياسية فتشتبك في مثل هذه الخطابات متدنية المستوى للإسهام في التفكيك والتفتيت وتمزيق أسس العيش المشترك والتضامن الإنساني، واستخدام معجم البذاءة والحط من القيمة، بدلا من التوجه إلى نقد الأفكار بتجرد ونزاهة وبأدب من دون الإساءة مثلما كنا دائما.

تلك أبرز التساؤلات التي وردت في خطاب الصديق، فكتبت للصديق موضحًا وجهة نظري:

 

أولاً:

لقد سبق يا صديقي أن كتبنا أكثر من مرة عن هذه الظاهرة المنتشرة بشكل مهول في مجتمعاتنا العربية بوجه خاص، التي لم تجد طريقها إلى حد الآن إلى الحرية. تلك المجتمعات التي ما تزال لا تجد الفضاءات السليمة للتعبير أو الكتابة بحرية، ولكن - ومع الإقرار بوجود كل السلبيات التي أشرت إليها - ما أزال اعتقد اعتقادًا يقينيًا، بأن وسائل التواصل الاجتماعي - التي رصدت بعض جوانبها السلبية - ليست كلها سلبية، فقد أتاحت للناس سهولة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني في التعبير والحضور والمتابعة. فحرية الرأي والتعبير من اهم مبادئ الحياة الديمقراطية وحرية التعبير كغيرها من الحقوق كفلتها الدساتير، كما أن الثورة التكنولوجية والاتصالية وفرت المنصات الإلكترونية التي أصبحت متاحة للأفراد والجماعات للتعبير عن كل ما يجول في الذهن والخاطر. وهذا أمر لا يمكن العودة إليه، وعلى الدول أن تتعامل معه كواقع.

 

ثانيًا:

صحيح أن المطلوب إعادة ترتيب وضبط الاستخدام غير الرشيد للحرية عامة، لأنه لا توجد اية ممارسة للحرية على اطلاقها في اي مجتمع من المجتمعات حتى في الممارسة الأكثر ديمقراطية، فهنالك محددات من خلال القوانين والانظمة التي بموجبها يستطيع الفرد ممارسة حقه في التعبير، ولكن ضمن إطار القانون والقيم. ومن هنا نأتي إلى ما أشرت إليه في ملاحظاتك وتساؤلاتك، فالأمر في رأيي له علاقة بالقيم أكثر من علاقته بالثورة التكنولوجية والاتصالية، فالأمر لم يعد يتعلق بالمضامين المنحطة المهيمنة في بعض الخطابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تخضع حاليا لأي رشد أو ترشيد، بل ببعض المساحات في وسائل الاعلام الورقية او الإلكترونية التي يفترض بها أن تكون رصينة وخاضعة للقانون والقيم المهنية، فنجد أنه قد اختلط فيها الحابل بالنابل وأصبح المتلقي يعيش في دوامة حقيقة من «البث» غير الرشيد وتدني مستوى بعض المضامين، التي تتجاوز صراع الأفكار إلى الفوضى والإسفاف. والأخطر أن هذا المرض المستشري قد انتقلت بعض عدواه إلى كل شيء تقريبا، بما يعني أننا في حاجة إلى قدر معقول من الترشيد الذاتي والمهني والأخلاقي. فإذا كان المجتمع قد شهد في بعض المراحل من تطوره السياسي والاجتماعي بعض الخلافات السياسية حول طبيعة المجتمع، أو حول السياسات والأولويات الاقتصادية والاجتماعية، فإن الخطاب السياسي والإعلامي بقي في المجمل محافظا على الحد المعقول من التهذيب في الأسلوب، والالتزام بثوابت الخطاب الرشيد، ولكن في مرحلة لاحقة استطاعت التعبيرات البذيئة والمشاعر الغريزية أن تجد تعبيراتها الجديدة في الخطابات المنفلتة.

إن مهمة وسائل الإعلام الرئيسية أن تنقل صورة صادقة عن الواقع، وتتولى تبصير الرأي العام بما يجري، لذلك لا يمكن أن تلام على نقل الحقائق، إذا ما تثبتت من صحتها، وإذا كان هناك من لوم على وسائل الإعلام، فهو ما يتصل بما يعتري بعض المواقف من تحريف او لي لعنق الحقيقة، ليبني على هذا التحريف الموقف السياسي، وهذا ما أصبح متواترا بشكل مفجع، وهذا أمر لم نعهده في المراحل السابقة. فهذا التوجه نحو التصعيد وتبادل الشتائم، لا يساعد في الوصول إلى حل الأزمات، بل من شأنه أن يفاقمها، بما يؤسس لأجواء غير صحية لا تساعد على الحوار والوصول إلى حلول عقلانية لمشكلاتنا.

 

ثالثًا:

لم يعد خافيًا بالفعل انحطاط مستوى الخطاب السياسي وتدني مستوى التخاطب العام، المعارض وغير المعارض، وهو تدنٍ أخلاقي وسياسي في الوقت ذاته. فقد كان السياسيون في السابق يعبرون عن أفكارهم وتوجهاتهم ومواقفهم من خلال ما يصدر عن جمعياتهم من بيانات رسمية، أو من خلال البرامج الانتخابية المعلنة أو المقالات التحليلية، أو من خلال مواقعها الإلكترونية وما تصدره من نشرات، وكان ذلك في الغالب يتم بلغة رصينة مهذبة، وكان الذين يختلفون معهم يناقشونهم بهدوء، أما اليوم فقد أصبح السياسيون يفضلون التعبير الفوري اللحظي من خلال كلمات انفعالية مرتبكة، والمستعدة لإعلان الحرب الطاحنة.

ولا شك هنا أنه كلما اتسعت مساحة الحرية وتكرست الحياة السياسية والحزبية بشكل جيد ومتوازن، ضاقت مساحة الفوضى والاستخدام غير الرشيد لوسائل التعبير المختلفة، ولذلك لا مناص من توسيع مساحة الحرية المقننة، لضمان اتساع نطاق الخطاب الرشيد الجامع الذي يعمل على استقرار وأمن المجتمع وعيشه المشترك، ولا تبقى وقتها إلا التعبيرات الفردية التي لا يمكن السيطرة عليها، ولكن لا يكون لها أي تأثير عميق على المجتمع.

 

همس

أنت والسفر المقيم

وغربة الصفيح

تلوحان كل صباح،

أقبع وحيدًا في ظلك وظلي،

وما بقي من الحشاشة وحيدًا.

أبحث عن طريق لا يخون،

عن الله أبحث والملاذ،

عن ابتسامة وقصيدة،

وعن دفء الشتاء يحنو،

وعن بعض أحلامي الصغيرة،

وخمري.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها