النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

جان جاك روسو: العقد الاجتماعي

رابط مختصر
العدد 11171 السبت 9 نوفمبر 2019 الموافق 12 ربيع الأولى 1441

في البدء كان الإنسان حرًا، وفِي النهاية سيعود حرا، وبين البداية والنهاية هناك طريق شاقة طويلة مليئة بالعذابات والآلام على الإنسان أن يقطعها ليستعيد حريته التي سلبت منه، وتركته في أغلال القوانين الجائرة التي لم يضعها هو، ولَم يخترها بنفسه، بل فرضت عليه لتخدم مصالح الأقوياء والمتسلطين. 

كانت حياة البشر قبل أن تتأسس الدول والحكومات بلا قيود، والإنسان فيها يسعى الى قوته بالصيد والتقاط الثمار الجاهزة، ثم عرف الإنسان الزراعة فتأسست القرية. لم يكن هناك سلطة فوقية تتحكم في حياة الإنسان في هذه القرية، ولا قوانين تفرض عليه وتكبله، فالناس كانوا في بداية الحياة على الأرض ليسوا في حاجة إلى السلطة والقوانين، لكن تكاثَر البشر مع الوقت وتحولت القرية الى مدينة، فكان في اليونان الدولة المدينة، ثم توسعت الدولة المدينة الى دولة الإقاليم فالبلدان. وأصبح نشوء الدولة والسلطة ضرورة تفرضها المتغيرات الجديدة لترتيب حياة البشر وتنظيمها بعد أن تكاثرت أعدادهم ومشاكلهم ونزاعاتهم، فالأفراد إن لم تحكمهم القوانين والأنظمة والأعراف عرضة للإختلاف والتصادم والسلب والنهب والاقتتال، فمن يعالج هذه الأمور؟ في هذه الحالات حيث لا سلطة ولا دولة تعم الفوضى في المجتمع ويعيش الناس على شريعة الغاب، القوي يأكل الضعيف. 

وجد الناس آنذاك أهمية وجود سلطة لها صلاحية وقدرة وقانون وتشريع. كان لا بد من وجود إدارة تمتلك قوة حافظة للأمن ولتنظيم حياة الناس. نشأت آنذاك السلطة في هذه الظروف تحت ضغط الحاجة لتصريف شؤون المجتمع. توافق الناس على وجود هذه الإدارة /‏ السلطة لتنظيم حياتهم وجعلها أكثر يسرًا وتناغمًا، كانت هذه الإدارة /‏ السلطة في البداية تهتدي بمنفعة ومصلحة المجتمع، فوجدت القبول عند الناس لأنها تحفظ مصالحهم وتعمل بما هو في صالحهم، ضمن تشريع وقانون يقنن الحالات والقضايا والحوادث، ولكي يبقي التناغم بين مصلحة الأفراد والجماعات قائمًا.. ماذا حدث بعد ذلك؟. 

بشكل أو آخر نشأت سلطة تمتلك القوة ولكن لا تعمل بما هو في صالح الجماعة بل بما هو في صالحها هي، فشرعت قوانين جديدة تكرس سلطتها ومصالحها. ولَم يعد للناس /‏ المجتمع خيار في وجود هذه السلطة وآلية عملها. وراحت هذه السلطة تستفرد بالقرار وتتحكم في حياة الناس /‏ المجتمع، وهنا نشأت السلطة المطلقة التي لا تعتمدعلى قبول الناس ورضاهم وموافقتهم، كما كانت في البداية، فكانت الدولة المستبدة التي يكون فيها الحاكم هو المشرع وهو المنفذ. 

هكذا كان الملوك يحكمون في الحضارات الأولى القديمة، كحضارات ما بين النهرين والفراعنة وغيرهما، واستعانت السلطة برجال الدين (آنذاك) لتكريس شرعية هذه السلطة، لما لهم من أثر على الناس. وكان الكهنة في هذه الحضارات القديمة يكرسون معتقدات السلطة المطلقة وأعرافها ويباركونها. وعندما تطور البشر، في مرحلة أخرى متقدمة لم يعد الملوك أبناء الآلهة كما زعموا، ولكنهم ظل الله في الأرض، وأيضا تم إستغلال الدين وإستخدامه لغير الغرض الذي جاءت الرسالات السماوية من أجله. صدّق الفقهاء من بطانة الخلفاء على هذا التفسير الذي أصبح عرفًا ثابتًا، تعتقد به العامة. 

وظلت قداسة السلطة المطلقة تحميها من التغيير، وحتى عندما زالت هذه القداسة ظلت السلطة المطلقة شرعية وقائمة بحكم القانون الذي لم يشرعه الناس /‏ المجتمع بل شرعته السلطة لنفسها. كان ملك فرنسا لويس الرابع عشر يقول جملته الشهيرة: (أنا الدولة)، وكان هو كذلك في الحقيقة فهو الذي يشرع القوانين والدولة تنفذ، فالدولة وفق هذا المفهوم ليست إدارة أو جهاز يحمي ويكرس المصلحة العامة، ومنافع الناس، بل يحمي مصالح الدولة، التي هي مصالح السلطة. 

من سوء حظ لويس السادس عشر الذي جاء من بعد لويس الرابع عشر، أن تصاب فرنسا بنقص شديد في محصول القمح في عهده، فيختفي الخبز من البلاد، وكانت الضرائب قد أثقلت كواهل الفرنسيين، ودمرهم الفقر، فكانت الثورة الفرنسية التي أنهت الاستبداد ومنحت الناس الحرية والمساواة وغيرها من الحقوق الإنسانية. ورغم الفوضى السياسية التي عمت البلاد مع الثورة، إلا أن الأمور استقرت في النهاية، لأن الثوار كانوا يهتدون بكتابات مفكريهم في القرن الثامن عشر مثل جان جاك روسو، وفولتير وديدرو ومونتسكيو. كان جان جاك روسو هو الأكثر تأثيرا على الثورة، فكانت أفكاره في الحرية والعدالة الاجتماعية نبراسًا وهديًا استلهمت منه القوانين والدساتير في فرنسا وأوروبا، بعد أن ألهمت أفكاره ثورات القارة. 

جاءت تعاليم وأفكار جان جاك روسو في كتاب العقد الاجتماعي، وهو الكتاب الذي قيل عنه أنه أشعل ثورة. صدرالعقد الإجتماعي في العام 1762 بعد أن اشتغل روسو عليه زهاء خمسة عشر عامًا، وضع فيه أهم أفكاره في السلطة والاستبداد، والحريّة والعدالة الاجتماعية، إذ كان روسو مثل الشعب الفرنسي يتألم من الفقر الذي كان منتشرًا، والاستبداد الذي كان سائدًا. وكان يلاحظ ثراء الطبقة الحاكمة والأرستقراطية والملّاك الإقطاعيين. 

أسوق هنا بعض أقوال وأفكارروسو التي راجت في العالم اليوم، وكانت جديدة في منتصف القرن الثامن عشر، حيث كان الاستبداد والسلطة المطلقة هي السائدة في أرجاء أوروبا والعالم. يقول روسو في كتاب العقد الإجتماعي: يولد الإنسان حرًا ولكننا نجده مكبلاً بالأغلال أينما كان. /‏ الحرية صفة أساسية للإنسان، فإذا تخلى الإنسان عن حريته فقد تخلى عن إنسانيته وعن حقوقه كإنسان. /‏ الحرية تعني تمتع الفرد بجميع حقوقه السياسية والاقتصادية والإجتماعية والثقافية في إطار قانوني./‏ كل قانون لم يقره الشعب بنفسه هو باطل ولاغٍ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا