النسخة الورقية
العدد 11173 الإثنين 11 نوفمبر 2019 الموافق 14 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:31AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

دعــــــــوني أحلــــــــم

رابط مختصر
العدد 11171 السبت 9 نوفمبر 2019 الموافق 12 ربيع الأولى 1441

حلمت أنني صحوت على عالم غير هذا العالم البائس الذي نراه الآن، حلمت أننا أصبحنا جميعًا أكثر حُبًّا لبعضنا البعض وأقل عدائية وعدوانية، حلمت أن الإنسان أصبح أكثر تقبلاً لأخيه الإنسان، وأن البشر يضعون أيديهم بأيدي بعض لبناء مستقبل أفضل للإنسانية.

حلمت أن الأحقاد والعداوات التي عششت في رؤوس شعوب شرقنا المنهك قد انتهت، وأن الحدود قد زارت، وأن الإيرانيين يزورون العرب والعرب يزورون إيران، حلمت أن اردوغان عاد إلى صوابه وشرع من جديد في بناء اقتصاد بلاده بعد أن تخلى عن أحلامه العثمانية بالخلافة، حلمت بأنه وضع يده في يد الدول المجاورة لبلاده ليزرع الحدود معها بالورود وليس الألغام والجدران الإسمنتية.

حلمت بأنه حتى إسرائيل قبلت بحل الدولتين، وتوقفت عن أطماعها التوسعية، وعن تهويد نفسها وكل ما حولها، وأنها اقتنعت بأن للفلسطينيين حقوقًا في أرضهم، ولا يمكن اقتلاعهم منها، وحلمت أيضا أن الساسة الفلسطينيين توقفوا عن النزاعات فيما بينهم، والتفتوا بالفعل لمصالح شعبهم.

حلمت أنني فتحت التلفاز على نشرة أخبار تنتقل مشاهدها من إنجاز عربي لإنجاز، وأن قضايا البيئة والتربية والنظافة العامة هي ما يشغل بالنا، وليس أخبار القتل والدمار في ليبيا واليمن وسوريا، سوريا الجريحة التي اعتدنا فيها أخبار القتل والموت بالعشرات والمئات، سوريا التي قتل فيها خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط ما يقرب من عشرة آلاف إنسان، وهذا رقم يملأ نصف ملعب كرة قدم من ملاعبنا، لكن لم يعد أحد يكترث لذلك.

سمعت أن الكل يحب الكل، سمعت أن اللبنانيين كلهم اجتمعوا ليبنوا بلدهم من جديد، وأن حزب الله لم يعد يهدد اللبنانيين بسلاحه بل فأفكاره. حلمت أن الحوار يملأ جنبات حياتنا، وأننا أصبحنا أكثر تفهمًا لشركائنا في الدين والوطن، ومعتقداتهم وتوجهاتهم وآرائهم، وأنه بإمكاننا العيش معًا دون أن يلغي أحدنا الآخر.

حلمت أن الإنسان العربي تحرر من معتقداته البالية وتقاليده الرثة وعصبيته المقيتة، وبدأ يعمل على إعادة إعمار نفسه وأسرته ومجتمعه، ويخطط لمستقبل يعيش فيه أبنائه، حلمت بأننا جمعينا في هذا العالم نعمل معًا كي نعيد بناء أنفسنا، وأننا نؤسس الأعمال العظيمة في الطب والفضاء والتعليم، وأصبحنا معطاءين للعالم أجمع. حلمت بأننا توحدنا كعرب، وأنقذنا أنفسنا من براثن الاستعباد والأفكار الجهنمية التي تهدف لتقسيمنا وترويعنا.

حلمت أننا أصبحنا أكثر دعمًا لبعضنا البعض، مدركين أن السعادة هي الشيء الوحيد الذي يزداد كلما تقاسمناه مع الآخرين، وأن الخير الذي يصيب بعضنا سيعم لصيبنا جميعًا، وأننا نبذل كل ما في وسعنا لنضيف إلى هذا العالم شيئًا جديدًا مفيدًا كل صباح.

لكنني مع الأسف، صحوت من حلمي الجميل على واقعنا المر، نهضت مذعورًا أخاطب كل العالم حولنا بالقول: لقد أخذتم منا كل شيء ونحن في غفلة من أمرنا، سلبتم كل ما لدينا من طاقات وإمكانات، أصبحت دولنا قاحلة، ومياهنا مالحة، وأفكارنا بالية، وجامعاتنا هزيلة، وجيوشنا خردة، أخذتم خيرات أرضنا وأعطيتونا بدلاً عنها أسلحة وذخائر لنقتل بعضنا البعض، شبابنا يصطفون على أبواب سفاراتكم طلبًا للهجرة أو ينامون على أرصفة الجهل والبطالة، سلبتم حاضرنا ولم تتركوا لنا سوى ماضٍ مليء بالأمجاد الكاذبة، ومستقبل غامض نخافه ويخافنا.

لقد جعلتم منا متطرفين داعشيين نقتل باسم ديننا، رغم إيماننا في أعماقنا بأننا سنضمن الجنة بإذن الله من خلال هذا الدين الحنيف.

فنرجوكم أن ترفعوا وصايتكم عنا، نناشدكم باسم الإنسانية أن تدعونا نعيش، فنحن لن نستطيع السير في طريق رسمتونه لنا كما يحلو لكم بعد أن فرقتم بيننا، ووقفتم تتفرجون علينا ونحن نقتل أنفسنا بأنفسها، ونهدر طاقتنا بأيدينا.

أنا اليوم اعتقد أكثر من أي وقت مضى أنه ليس للضعيف صديق، وليس للضعيف طريق، وأن الضعيف أمامه فقط خيار التعاون مع ضعيف مثله، ليصبحا أقوياء قادرين على بناء مستقبل أفضل لأنفسهم ولأبنائهم.

دعوني أرجو، ولا أتمنى، فالتمني هو طلب حصول الشيء مستحيل الحصول، وقد قيل «الأماني بضاعة الحمقى»، أما الرجاء فهو طلب الحصول على شيء يمكن حصوله، لذلك أرجو أن يتحول حلمي لحقيقة في يوم ما.

الأحلام ليس عليها جمارك أو ضرائب، ولا يمكن أن يحاسب شخص على أحلامه، فدعوني أحلم كما أريد، دعوني أرى في الحلم حاضرًا ومستقبلاً مزدهرًا لأمتنا لا أستطيع أن أراه في الواقع، دعوا أحلامي تبث في روحي الراحة والطمأنينة، وفي جسدي السعادة والهدوء، دعوني أهرب من واقعي إلى حلمي.

فعندما حلم مارتن لوثر كينغ بتحرير العبيد في أمريكيا كان حمله أشبه بالمستحيل، لكنه حلم تحقق، بل إن رجلاً أسود هو باراك أوباما أصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، أما حلمي أنا فلا أعلم أين ومتى وكيف سيتحقق، ربما يكفيني الآن أنني حلمت وحلمت وحلمت.

 

*رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسيفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها