النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11203 الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

محركات احتجاج العراقيين

رابط مختصر
العدد 11170 الجمعة 8 نوفمبر 2019 الموافق 11 ربيع الأولى 1441

 في البداية تفجرت احتجاجات العراق بشعارات مطلبية لا تستقيم الحياة الآدمية في أي مجتمع وتستمر إلا بتوافرها، وكان من أهمها محاربة الفساد في الإدارة وتوفير فرص عمل للشباب ووضع حد لسرقة المال العام وتوفير الخدمات وإيجاد حلول للأزمات المعيشية التي يكابدها المواطنون منذ العام 2004. ولعل الراصد لحالة السخط الشعبي قد تنبه مبكرًا للمؤشرات الأولية لحجم هذه الاحتجاجات عندما كان المسحوقون يقارنون الحالة الاجتماعية والاقتصادية في ظل حكم الطبقة السياسية الفاسدة مع حكم صدام حسين وكانت المقارنة دائمًا لصالح نظام صدام. 

 كانت هذه الشعارات بواعث سخط شعبي عارم استمر منذ مطلع شهر أكتوبر رفضًا لممارسات الطبقة السياسية الحاكمة في العراق وتطلعًا لعراق أفضل خال من الفساد والمفسدين، ومطلبية المنطلقات ومنطقيتها وواقعيتها جعلتها عامل تجميع للعراقيين من كل الطوائف لتكون بذلك محرك الاحتجاجات الرئيس وأكسيرها الذي جعل العراقيين المحتجين يعيدون استكشاف العراق هوية ووطنًا جامعًا استبيح عرضه وانتهكت سيادته وسرقت ثرواته بل نهبت نهبًا لم يبقَ للعراقيين إلا الجوع والبطالة والفقر واليأس والإحباط. 

 وفي خضم تنامي السخط من التدخل الإيراني في الشؤون العراقية تصاعدت مطالب المحتجين بشكل تدريجي فانطلق إلى جانب هذه الشعارات، شعار إسقاط النظام مدويًا صريحًا ينشد للعراق استقلالاً جديدًا يخلصه من براثن الجار الإيراني الذي هُيّئت له كل أسباب الاستئثار بالعراق والهيمنة عليه حتى كاد يتحول إلى محافظة إيرانية. لقد أضاف شعار «إسقاط النظام» إلى مجموعة مطالب العراقيين المنتفضين مطلبًا سياسيًا آخر يدعو إيران إلى الكف عن التدخل في الشؤون العراقية، بل إن مجموعة من المنتفضين نفذوا وقفات احتجاجية قوية أمام القنصلية الإيرانية في كربلاء وصلت حد التصادم مع القوات الإيرانية الحارسة للقنصلية وصار هتاف «إيران برع برع.. العراق تبقى حرة» شعارًا ملازمًا لأي مظاهرة في أي مدينة من مدن العراق المنتفضة. 

 لقيت احجاجات الشعب العراقي التعاطف الكبير من شعوب العالم ومن بعض الحكومات والهيئات الدولية، ولم يكن غريبًا أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية أول الدول وأكثرها إدانة للقمع الممارس ضد الشعب الأعزل إحساسًا منها بأنها هي من ورط الشعب بمثل هذه الطبقة الحاكمة الفاسدة، وهي من ينبغي أن يمارس ضغوطًا لإصلاح ما أفسدوه. لكن ما يوجع العراقيين، كما هم يعبرون عن ذلك في وسائل الإعلام المختلفة هو ضعف المساندة والتأييد العربيين لحراكهم السلمي، وهم في ذلك يقارنون موقف الحكومات العربية من الحكومة السورية إزاء تعاملها مع ثوّار سوريا. كيف لا يتوجعون والمحتجون العزل يواجهون سلطة أعمتها العمالة وبريق الكراسي فلجأت إلى استعمال مفرط للقوة انتشرت مشاهد تؤكده فتزيدنا والعراقيين وجعًا على وجع! وكيف لا يتوجعون والمحتجون العزل يواجهون عنفًا مزدوجًا، حكوميًا وإيرانيًا من خلال قناصة الحشد الطائفي الموسوم بـ«الشعبي» المدعوم من «الحرس الثوري» الإيراني الذين تفننوا في قمع أصوات ذنبها الأوحد مطالبتها بعراق حر مستقل فقوبلوا برصاص أسقط منهم أكثر من 400 قتيل وخلف زهاء 10000 جريح. 

 الأمر الغريب والمثير للدهشة هو أن وزارة خارجية العراق طالبت دول العالم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية العراقية، ذاكرة أن العراق بالنسق الديمقراطي قادر على حل مشكلاته مع شعبه، ولم تشر من قريب أو من بعيد إلى تدخل الحرس الثوري بأفراده أو بواسطة أذرعته في «الحشد الشعبي». ورغم ذلك فإننا نقول هذا حق لا ينازع أحد وزارة الخارجية العراقية فيه. أقصد الحق في المطالبة بعدم التدخل، وليت الفاسدين الكبيرين نوري المالكي وإبراهيم الجعفري يعون اليوم معنى التدخل في شؤون الآخرين.

 العراق دولة مستقلة وينبغي على دول العالم احترام هذا الاستقلال. لكن أين هذا النسق الديمقراطي الذي تتحدث عنه الحكومة العراقية؟ فإذا كانت الوعود بإيجاد حل للمشكلات الاقتصادية والخدمية قد أعطيت وسيتكفل البرلمان بمناقشة هذه المشكلات - والحال أنْ لا أحد يعلم هل أعضاء البرلمان موجودون بالعراق أم أنهم نفذوا بجلدهم إلى خارج العراق لعدم قدرتهم على إيجاد الحلول وانشغالهم بتناهب الثروات العراقية أو ما بقي منها فيما بينهم - فإن حديثًا عن النفوذ الإيراني لم يتم التطرق له بأي شكل من الأشكال لا على مستوى رئاسة الوزراء ولا البرلمان ولا رئاسة الجمهورية، وهو صمت رهيب يذكرنا ببعض أعراف الزواج صمتًا معبرًا عن رضا الطبقة الحاكمة بهذا التدخل السافر، تواطؤا أو طمعًا أو خيانةً. ليس على الطبقة الحاكمة في العراق إلا أن تراجع حساباتها وتدرك أن ما بينها والجماهير الهادرة غضبًا أشواطا وأشواطا من الوطنية وحب العراق والولاء له وطنًا حرًا مستقلاً، وبهذا أَوَليس وقف التدخل الإيراني مطلبًا جماهيريًا صارت الأرواح دونه أرخص لدى المحتجين من كل المذاهب.

 لا توجد مؤشرات توحي بأن حالة الغليان في الشارع العراقي ستشهد انحسارًا في الأفق المنظور. وإذا ما تم الباب مواربًا على مسألة الوجود الإيراني في العراق وهيمنته على القرار السياسي وحمايته لفساد الطاقم الحكومي الحزبي المرتبط به مصلحيًا، فإن الوضع مرشح إلى مزيد من التفاقم.. ومزيد من إزهاق الأرواح. غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم مع الإجماع الشعبي المطالب برحيل النظام هو من بيده تغيير الواقع اليوم؟ الحكومة لا تستطيع تغيير هذا الواقع مهما حلف أعضاؤها بأغلظ الأيمان.

 على السلطات في العراق التوقف عن المكابرة والاستماع إلى مطالب العراقيين، ولعل المطلب الجماهيري الأبرز هو أن تستقيل الحكومة، ليتصرف الشعب في الساحات مع الوجود الإيراني في العراق بوصف هذا الوجود داءً فتاكًا لا خلاص منه إلا بعدمه. وعندها فحسب سوف تستقيم الأمور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا