النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

رسالة الثورة في العراق و لبنان

رابط مختصر
العدد 11169 الخميس 7 نوفمبر 2019 الموافق 10 ربيع الأولى 1441

العراق ولبنان في حالة ثورية لم يسبق لها مثيل، كل منهما يكمل الآخر وكل منهما يرتع من نفس الكأس، ولكن بمحتويات مختلفة، بينما الوجهة واحدة... فثورة الرافدين تكمل ثورة الأرز، وكلاهما ينظران عبر النفق إلى ذات النور، نور الحق والكرامة والتطهر من تقديس الانسان للإنسان. ففي البلدين هناك رموز اكتسبت صفة القدسية، وتقديسها مفروض على الناس، ولها منابر وقباب ومراكز حزبية إقطاعية أشبه بالمعابد. وهذه الرموز هي النخبة التي تحمل الكتاب المقدس بيد وسيف الدولة في اليد الثانية وأمامها صندوق النهب، ومع تراكم أوزار هذه الرموز على كاهل الناس بلغ السيل زباه، وطفح الكيل، واستعصى على الناس كظم الغيض، وتفجرت شرايين القلب، وصمت الصمت، فانتفض الشعب وأعلن ثورته، أولاً رفع المطالب لتخفيف العبء المعيشي بفعل النهب الممنهج عن كاهله، إضافة إلى أن للثورتين رسالة مكنونة واحدة وهي ضرورة إزالة ثقل الرموز المقدسة عن كاهل الانسان وعن كامل تربة الوطن... وهذه الرسالة هي أس الثورتين.

إن الثورتين هما أشبه بثورة القس المسيحي مارتن لوثر على الرمزية المقدسة لسلطة الفاتيكان الكاثوليكي، لرفع هالة القدسية عن رموز بشرية، وإنهاء تقديس الانسان للانسان، والقضاء على هذا الدجل الذي يدعي أصحابه بأنهم وكلاء الله في الأرض. ورغم أن ثورة لوثر كانت تبدو في ظاهرها ثورة دينية صرفة، إلاّ أن السياسة كانت هي المحرك الاساس، لأن السلطة الدينية كانت على خلاف المصالح مع سلطة الدولة، في مجموع الدول الاوروبية المسيحية التي تشكلها ومع طبقة النبلاء. الفارق بين ثورة لوثر في القرن الخامس عشر وثورتي الرافدين - الأرز في القرن الواحد والعشيرين، فارق في النسبية بين الرداء (الشكل) والمحتوى، ثورة لوثر كانت برداء ديني ومحتوى سياسي، وثورتي الرافدين - الأرز هي في ثوب سياسي - اقتصادي مطلبي ومحتوى ديني - طائفي، فالتفاوت بينهما في نسبية العلاقة بين الدين والسياسة... فمنذ ما قبل القرن الخامس عشر إلى القرن الواحد والعشرين وثنائية الدين والسياسة تتفاعل كيميائياً لتنتج رموزاً تتربع على السلطة وتتسلط بصولجان القداسة وتتمظهر أمام الناس على أنها مقدسة، وليس بالضرورة أن تكون سلطة الرمز المقدس سياسية ظاهرة، بل هي في أكثر الحالات سلطة اجتماعية ظاهرة وسلطة سياسية مبطنة... 

وثورة لوثر فتحت الباب أمام التغيير الجذري النوعي لفصل الدين عن السياسة، رغم أن ثورة لوثر حافظت على سلطة دينية برداء جديد، وعلى مسافة من التقليد الكاثوليكي، وأوجدت كنيسة مناهضة لكنيسة سابقة، إلاّ أن حراكها في حدودها الدينية قد أفرزت واقعاً جديداً يجرد رجل الدين من القداسة التي اعتاد الناس عليها، ومع سقوط رداء القدسية عن رجالات الكنيسة، انفتحت الابواب أمام التحول الكبير في عصر النهضة إلى فصل الدين عن السياسة، وبدء عهد علمانية النظام السياسي.... فهل ستكون الثورة الشعبية في لبنان والعراق فاتحة أمل للتحول إلى نهضة نوعية ينفصل فيها الدين عن السياسة، والتمهيد لنظام سياسي علماني، وفي الوقت نفسه يتربع الدين فيها مكانه المرموق الموقر بعيداً عن تعقيدات السياسة ومشاغلها الدنيوية، وألاعيبها التي لا تنسجم مع المبادئ الدينية وطهارة روحانيتها؟ هل هذا الامل قريب المنال، أم أن الواقع الموضوعي، في كلا البلدين، يحمل في جعبته تعقيدات تعرقل تحقيق هذا الامل على المدى المنظور، خاصة وأن السياسة في البلدين تدار وظيفياً بالوكالة، وليس وطنياً بالأصالة... 

فالسلطة الدينية في لبنان تتدثر تحت عباءة الطائفية، ولكل طائفة رموزها المقدسة، وهي صولجان السلطة السياسية، وتتوزع وظيفة الرموز المقدسة حسب الولاءات المختلفة، وهي ولاءات، أشبه بالوكالات، لقوى خارجية، فالسياسة بالوكالة. أما العراق، فإن السلطة السياسية هي في كامل عباءتها الدينية - الطائفية دون مواربة، رغم تربع عدد من الرموز الكارتونية على بعض من الوظائف القيادية، وهذه الرموز الكارتونبة لا حول لها ولا قوة، فهي تأتمر مباشرة وبشكل واضح بأوامر الرموز المقدسة، وهذه الرموز المقدسة ذاتها و بكل سلطتها وكامل حلتها ليست سوى وكيلة لسلطة دينية - سياسية خارجية، فالعراق مثل لبنان، السياسة فيها بالوكالة، مع فارق أن الوكالة السياسية في لبنان لأطراف خارجية متعددة، بينما الوكالة السياسية في العراق منحصرة في طرف خارجي واحد. وهذا الفارق يكشف أن الوضع العراقي أقل تعقيداً من الوضع اللبناني، ولكنه أكثر حدة. 

الثورة وإن لم تستطع أن تحقق كامل مطالبها، ولم تستطع أن تبلغ كامل رساتها، إلاّ أن الوضع بعد الثورة سيخلق أرضية جديدة ومعطيات مختلفة، ستمهد لتطورات لاحقة لن تكون في صالح النخب السياسية التقليدية، ولا في صالح الاقطاعية الدينية السائدة..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا