النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11319 السبت 4 ابريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

قطــــاع يفقـــــد ظلـــــــه!!

رابط مختصر
العدد 11166 الإثنين 4 نوفمبر 2019 الموافق 7 ربيع الأولى 1441

  • المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في محنة، نعم، آخر إحصاءات غرفة التجارة والصناعة تكشف المستور، تحدد بالنسبة والعدد وربما بالقيمة حجم الكارثة

 

أين تكمن المشكلة، ما هو العيب يا ترى؟ هل في جمعيتين أو ثلاث أو أكثر لأنها تحمل الاسم نفسه وتقوم بالفعل نفسه وتسعى للهدف نفسه؟ هل السكوت عن الحق، أو الدفاع المستميت عن النفس، أو الاستنجاد بما تيسر من حروف العلة يمكنه فك شفرة الحالة المستعصية التي يمر بها قطاع المشاريع الصغيرة أو تلك المسماة بالمتوسطة؟ الأكيد أنه لا قدر الأقدر ولا قدس الأقداس يمكنهما الخروج من رحم التاريخ كي ينقذا ما لا يمكن إنقاذه، وأنه لا المنغصات، ولا المسكنات، ولا الجرعات المنشطة يمكنها حتى اللحظة رأب صدع هذا القطاع المقسوم على قطاعاته، وهذا النشاط المعروض دائمًا للبيع من دون أن يكون هناك مشترٍ جاهز.

حالة خاصة في اقتصاد لا يلبي المتطلبات إلا بحجة، ولا ينفذ إلى الحاجات الملحة إلا بسلطان، ولا يتجلى في روحانياته أو مادياته أو إصحاحاته إلا لو كان البرهان هو عنوان الحقيقة.

إنها المنظومة التي تحكم قطاعات الأعمال «الفقيرة وتلك الموعودة بالأمل البعيد»، السؤال الكبير مطروحًا على «طاولات» البحث والتحقق في ورشة عمل شُرِّفت بأن أكون المحاضر الرئيسي فيها بمقر إحدى حاضنات جمعية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بغرفة التجارة والصناعة. الحضور على ضآلته، والوجود على ضحالة التعاطي مع قضاياه الكبرى، كان أعلى صوتًا من ضيق المكان، وأعمق أثرًا من نظرة المجتمع للكيان، وأكثر صخبًا من تلك التي تثيرها زعابيب السراط غير المستقيم. 

المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في محنة، نعم، آخر إحصاءات غرفة التجارة والصناعة تكشف المستور، تحدد بالنسبة والعدد وربما بالقيمة حجم الكارثة، ثلثي أصحاب هذه المؤسسات مطلوبين أو ممنوعين من السفر، وثلثي هؤلاء مديونين للمصارف التي يتعاملون معها، وثلثي العدد مهددة حركته، وغير مصانة حريته، لأنه متعثر في السداد، وأحوال السوق لا تضعه على منصات التتويج الربحي أو فوق مراتب القدرة على الوفاء بالمستحقات.

شيكات مرجعة هنا وهناك، وبلاغات مقدمة إلى الأجهزة المعنية لإعادة الحقوق إلى أصحابها، ومحاكم مختصة وأخرى متخصصة تبت في الكم الهائل من القضايا على عجل خشية تأخير الأحكام أو تأجيل القصاص، أو تبطيئ إجراءات العدالة. 

المنظومة كلها مشغولة بهؤلاء المتعثرين في السداد، والمنظومة كلها مبحوحة أصواتها بالدفاع عن الحق الذي لا ينكشف عنه الحجاب، المسئولية التي ما زالت متدحرجة بين المكاتب والإجراءات واعتبارات الوزارات لا يمكن اختصارها في شخص أو هيئة أو مؤسسة أو منظومة بعينها، الاشتباك على مرأى ومسمع من الجميع، وإلقاء الاتهامات جُزافًا على مصرف أو قطاع أو على رجل أو رائد أعمال يعد خرقًا لطبائع الأشياء.

المتهم بريء حتى تثبت إدانته، لكن صك الإدانة يصدر مع أول تعثر لأية مؤسسة صغيرة أو متوسطة، حكم الإعدام للمؤسسة يتراءى مع أول إحالة إلى الأقسام القانونية المعنية، واستئناف الحكم أو التمييز عليه يصبح دائمًا مرهونًا بالحالة التي تؤول إليها المؤسسة بعد إحالة صاحبها للجهات الباحثة عن قيام العدل على الأرض.

الورشة كانت باهظة التحفظ عند إلقاء الاتهامات، مثلما كانت متنمرة بأوضاع السوق التي لا ترحم، وحالة الاقتصاد التي لا تلبي، والمستقبل غير المنظور في جميع الأحوال. 

بالنتيجة، لا التجار صغيرهم قبل كبيرهم، يريد أن يفهم في ثقافة «مربط الفرس»، ولا المعنيين بالأمر يرغبون في التنازل عن قطاع يعاني الأمرين لأسباب ما زالت مجهولة.

إذا كان التمويل مشكلة، فوسيلة السداد عند التعثر مشكلة أعظم، وإذا كان تردد المصارف سياسة لها مغزاها عندما يتعلق الأمر بمؤسسة صغيرة أو شبه متوسطة، فإن الأقدار تكون لها وجاهتها وحصافتها ومعناها الواضح للعيان.

السؤال الأوضح في الورشة هو كيف تقوم الجامعات بالتشجيع على ريادة الأعمال، والمعروف أن رائد الأعمال لا يمتلك سوى علمه وفكره وفكرته المبدعة، هل الإبداع يكفي، أو استيعاب العلوم يضمن، وقوة الاحتمال عند أجيالنا الطالعة تفي بإجراءات المصارف عندما تحملها مسؤولية التمويل والصبر على المكاره؟ ربما، لكن قبل أن تقع الفأس في الرأس وتعود «حليمة لعادتها القديمة» ويدخل رائد الأعمال في دوامة أكثر عنفًا وجبروتًا من بحثه الطويل عن عمل، لابد أن تُغير قوانين، وتُستبدل إجراءات، أن يتم الإحلال التشريعي بالسرعة ذاتها التي تأتي إلينا بخريجين جدد لا يبحثون بالضرورة عن وجبة جاهزة، أو فرصة سانحة، أو أملًا من الصعب تحقيقه.

النظرة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لابد أن تتغير، لا يجب أن يعتبرها الممول خطرًا محدقًا، أو أموالًا ضائعة، أو إنفاقًا ثقيل الدم، لابد مثلاً أن نساندها بمصارف أكثر تخصصًا، وإجراءات أقل تعسفًا، ومنظومة أكثر إدراكًا بأهمية هذا القطاع الذي ما زال يشعر بالبنوة الضالة للأب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها