النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

لمواجهة النسق والنمطيات:

ليس أمامنا سوى الرهان على الثقافة

رابط مختصر
العدد 11166 الإثنين 4 نوفمبر 2019 الموافق 7 ربيع الأولى 1441

  • الثقافة في مواجهة «مركزيات» القرار السّياسي والقوّة العسكرية والاقتصادية والهيمنة الإعلامية

 

 

من المعلوم أن الحضارة تصنع بالفكر وتنهض بالعلم والإبداع وبالحضور المتواصل في تأسيس ملامح الحداثة والابتكار والتجديد والتطوير المستمر في تنمية نمط الحياة في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

فلا يمكن لحضارة أن تستمر في الحضور من دون تفجير طاقات تفكيرها وتعبيراتها الفكرية والفلسفية والإبداعية في شتى مجالات الحياة، مهما كانت درجة تطورها الاقتصادي وحضورها السياسي.

هذه الحقيقة التي تبدو من أول وهلة بدهية، قد اختفت أو تراجعت على الأقل في وطننا العربي في العقود الأخيرة، ويشكل اختفاؤها فاجعة تؤذن بأننا قد بدأنا نتدحرج إلى متاهات من الصعب الخروج منها.

وقد يعتقد البعض أن نهايات الأيديولوجيات الكبرى تبرر وضعنا العربي المتردي الذي نحياه في الوقت الحالي على صعيد الفكر، وقد يرى آخرون أن العصر هو عصر اقتصاد السوق الذي يستبعد منه كل ما لا يمتلك فكرًا مبدعًا مجددًا، وكل من لا يكون قادرًا على الإضافة المجدية في هذا السوق العالمي.

نعم، لا نشك في تحول الوضعية الثقافية التي لم تعد مؤمنة بالنظريات الكبرى الموحدة للمواقف والمنظرة للنضالات، ولم يعد هناك كلي يؤطر النظريات ويحلل الإبداعات ويشكل المنهج الأمثل لفهم صيرورة التاريخ وتجليات الحياة الفردية والاجتماعية.

نعم لقد أصاب الفكر نوع من الريبة والشك المتواصلين في الأصول والظواهر على حد السواء، لاسيما بعد «حركات الحرية» والتحرر في العالم في أواخر الستينات من القرن الماضي، التي كثيرًا ما اعتبرناها هامشية ولكنها غيرت مفهوم الفرد في المجتمع وقدمت للحرية تمظهرًا جديدًا كانت له انعكاسات كبرى، ومنها حركة مايو 1968 الطلابية في فرنسا التي لم تكن سياسية بقدر ما تجذرت في التحرر الفكري والاجتماعي والثقافي والسيكولوجي والسلوكي الفردي. ورغم أن «حركات الحرية» هذه قد كانت تواصلًا لتيارين متناقضين: تيار تحرري يناضل ضد التبوهات الاجتماعية التي تحولت إلى عائق أمام التطور، وتيار يساري، يستمد قوته من التنظير للثورة والتغيير المستمر، مما مهد في الغرب إلى فتح الطريق للنضال من أجل الحرية في كل شيء فإنها أعادت للفرد مكانته، بعد أن ابتلعه النسق الاجتماعي أو المكننة الاقتصادية والنمطيات السياسية.

أما اليوم، فإن أهم إنجازات هذا العصر المعولم هو قوة المعرفة التي أنشأت ما بات يسمى «باقتصاد المعرفة»، و«قوة الثقافة» التي تحولت إلى قوة ناعمة لها قدرة على التغيير، وإلى بديل عن الأيديولوجيات الكليانية أو الأيديولوجيات التي تقدم نفسها على أنها بنية نهائية مقدسة غير قابلة للنقاش او الرد عليها. وما أكثرها في عالمنا العربي. وكما يذكر بنيامين باربر في كتابه «الجهاد في مواجهة عالم الماك»، إن الثقافة تفوق في أهميتها كل أنواع الأسلحة وإن الحوار وحده قادر على بناء عولمة ذات طابع إنساني. وهذا الطابع لا يمكن أن يتأتى إلا من خلال تكريس قيم إنسانية عديدة، في مقدمتها التضامن الإنساني ومحاربة الفقر والظلم والهيمنة، وتقليص الفوارق بين الشعوب على كافة الأصعدة، تأسيسا القيم الإنسانية بما هي الصورة التي تعمّ العالم في حضاراته المختلفة، لذلك فإذا سلّمنا بأن فعل التضامن يكرس قيمة من القيم الثقافية التي طبعت الهوية العربية الإسلامية، فإن إحياءها وتجسيدها والتعويل عليها وتفعيل دورها في المجتمع كقيمة محركة وفاعلة ثم تعميمها كمبدأ كوني، ثم رفعها إلى مستوى الحق والواجب الكونيين، كل ذلك يعني أنّ جدل العلاقة بين ثقافتنا والثقافة العالمية يعين لثقافتنا مهمّة حوار يسهم في نحت صورة جديدة عن المشهد الثقافي العالمي. وقد يكون تنزيل قيمة التسامح أو التضامن الإنساني - كمثال - بمنزلة القيمة المركزية ضمن رؤية للمستقبل العربي علامة على ما يجب على الفكر أن يستنبته من الإمكانات الكامنة في تراثه وتاريخه لتطويرها وفتحها على الإنسانية. كما أن إحياء قيمة التضامن ضمن الفضاء المعولم المتاح اليوم هو سعي إلى تمكين ثقافتنا من التمركز بأنفس قيمها ضمن هذا العالم الجديد. ولكنه كذلك مناسبة تتاح لثقافتنا لكي تفهم أن محاورة الثقافات الأخرى تستدعي منها أن تستحضر ما قد تكون سهت عنه، مثل قيمة التسامح، ولعلها باستحضارها لذلك تجد لنفسها صدى في ثقافات أخرى، وذلك بعيدًا عن عهود طويلة حبيسة خصوصية لا هي أصلية ولا هي ضرورية. فالمستقبل الذي ينتظرنا، إما أن نصنعه بأيدينا، ونختاره بأنفسنا من خلال أنفس وأرقى ما عندنا، وإلا سوف يفرض علينا العالم المعولم قيما أخرى مختلفة.

إن أهم معالم النظام العالمي الجديد قد تحددت ضمن «مركزيات» القرار السّياسي الغالب، والقوّة العسكرية الرَّادعة، والقوة الاقتصادية المصرّفة للطاقة والثّروة والهيمنة الإعلامية المطوعة لكل رأي، والإنتاج الثقافي الذي يصنع الحاجة ويكيّف الذوق ويسوّق البضاعة. فالتحدي الأكثر أهمية والذي فرضته الوقائع الجديدة على الأرض هو كيفية تحصين الأجيال الجديدة وحماية شخصيتها من الذوبان في نسق النمطية المعولمة على نطاق واسع في السلع والأفكار وأسلوب الحياة؟ وكيفية حمايتها أيضًا ضد محاولات الابتلاع الكاسحة من الأيديولوجيات الدينية المتصاعدة والطامحة إلى السيطرة على كل شيء: السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع والحريات العامة والخاصة، بحيث يتم تحويل الفرد إلى مجرد ببغاء أو آلة ذات استجابة آلية، وبذلك يتم ابتلاع جميع المكاسب التي ناضلت من أجلها الأجيال، وعلى رأسها الحرية وحقوق الإنسان وتحرر المرأة.

إن الجواب يكمن في نشر ثقافة الاستنارة والعقلانية ودمقرطتها، وجعلها حقًا مشاعًا المجتمع، وجعل ثقافة النخبة ثقافة للجمهور في مواجهة ثقافة الغش والنصب والاستبلاه والدجل باسم الأيديولوجيات المقدسة التي تبدو أخطر على الفرد وحريته وإنسانيته من الأيديولوجيا الفاشية.

همس

الليلُ يوقظني، والصباح مسجى،

وأوجاعي محمولة على ميناء السؤال

والمطر رذاذ والبحر.

قلت لحظة الفقد:

قلبي رحيلٍ إليك لا ينتهي.

قالت: أستيقظ في الغربة وحيدًا،

ألقي التَّحية على ظلي مساء،

فيوصلك الحلم إلى الذاكرة،

أقرع بابي الموصد كل صباح،

فالهوى لا يغادر المرسى.

قلت:

الذكريات لا أشرب نخبها.

تعبت من مدن المجاز والكذب،

تعبت من الترحال لا ينتهي،

وقلبي تعب من خمرة الأوجاع المعتقة.

فردي إليّ قلبي، بحق الرذاذ والبحر

والمطر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها