النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

لبنان على صفيح ساخن

رابط مختصر
العدد 11164 السبت 2 نوفمبر 2019 الموافق 5 ربيع الأولى 1441

هكذا تبدأ الثورات، ضغوط اقتصادية ثقيلة: ضرائب، غلاء، فقر، أزمات سكن، سوء خدمات، بنية تحتية سيئة، وغالبًا ما تتلازم هذه الظروف مع طبقة سياسية فاسدة، تكون هي السبب في هذه الضغوط والأزمات والتردي المعيشي، المصحوب بانحدار وعجز في البنية الاقتصادية، قد يؤدي إلى إفلاس كامل. 

كل هذه الضغوط عندما تأتي معًا يكون الانفجار وشيكًا، حقيقة علمية ثابتة لا يمكن دحضها أو تجاهلها أو الازورار عنها، فالضغط يولد الانفجار كما يقول العلم، والتجربة خير برهان. وتجارب الشعوب الكثيرة أكدت هذه الحقيقة في الماضي، وتؤكد ذلك في الوقت الراهن، وعلينا استعادة التاريخ العربي القريب والبعيد، والتاريخ العالمي لكل الأمم والشعوب، وسنكتشف أن هذه الأسباب أدت وستؤدي إلى ثورات جديدة. 

وللأسف الشديد فالذين في قمة السلطة لا يشعرون بكل هذه الضغوط على الناس، إذ عندهم من الثروة ما يعينهم على تجاوز هذه الظروف، والابتعاد عنها فراسخًا، حتى يظن بعضهم أن هذه الهموم والضغوط غير موجودة ووهمية أو مبالغ فيها، أو أن الانفجار الشعبي على هذه الظروف هو دسيسة خارجية، ما يشجع المفسدين على الاستمرار في فسادهم، وهناك جشع المال عند البشر الذي يقودهم إلى نحر البلاد والانتحار في النهاية، وما يغيض الناس من السلطة الفاسدة، أن -هذه السلطة- شكلت ثراءها المادي على حساب التردي المادي للناس، لكن لولا المفسدون لطاب العيش، وخفت الضغوط، وهدأ الناس، وتفادوا الثورات التي لا يعلم أحد تبعاتها، وكما يقال مكره أخاك لا بطل. هذه هي الحقيقة: يد السلطة الفاسدة في الماء ويد الناس في النار والدمار، وعلى الصفيح الساخن عاش اللبنانيون في العقود الأخيرة تشوي أجسادهم ولحومهم من قبل سلطة طائفية فاسدة، وترافق ذلك مع فساد سياسي، ومحاصصة طائفية، تلك الطائفية المدمرة التي قادتهم إلى حروب أهلية في الماضي. 

خرج اللبنانيون عن بكرة أبيهم يريدون النجاة من الكابوس السياسي البائد والكابوس المادي الشرس، واكتشفوا أن الطائفية جاءت عندهم على حساب المواطنة، اكتشف اللبنانيون أخيرًا أن ما هم فيه من كساد مادي، يعود في غالبه إلى المحاصصة السياسية الطائفية التي ترفع أشخاصًا إلى سدة الحكم، وتثبتهم وإن كانوا فاسدين. اكتشف اللبنانيون أن المواطنة تجمعهم، كما توحدهم الأزمات، وأن الفأس الطائفي يصيب رؤوسهم كما يصيب رؤوس الطوائف الأخرى، وليس غريبًا أن نلاحظ أن ما يجري في العراق شبيه تمامًا لما يجري في لبنان، فالمشكلة متطابقة وفي غاية التشابه والتراجيديا. آن الأوان أن تعرف الطوائف العربية أن روح المواطنة تحفظهم عن التقسيم الطائفي، الذي يجعل السلطة مقسمة على الطوائف، والولاء موزع للطوائف، ويضيع في هذه العاصفة الوطن. 

لم تكتفِ الطبقة الفاسدة في لبنان، بما سببته من آلام وعذاب للمواطنين، فخاطب بعضهم اللبنانيين بتبجح، واستعلاء وغرور، غرور السلطة الذي أسقط أنظمة كثيرة، على التوالي، وعبر العالم. أحد رموز هذه الطبقة السياسية الفاسدة في لبنان، قال للمتظاهرين: إذا أردتم إزاحتنا فليكن ذلك في الانتخابات القادمة، هذا الرد المغلف بالسخرية والاستخفاف، يتعامى عن حقيقة أخرى تقول إن صناديق الاقتراع في الأنظمة الفاسدة، هو غطاء يغلف الحقيقية المرة السوداء التي يعيشها الناس، ففي كل البلدان العربية التي شهدت الثورات العربية المتتابعة في العقد الأخير، كانت هناك صناديق اقتراع وانتخابات لعدة عقود، لكنها صناديق اقتراع ملعوب في محتوياتها وأوراقها، وهي شكل خارجي أنيق، لديمقراطيات كسيحة معوقة مصابة بالأنيميا، يختفي وراءها الفساد السياسي، والفساد المالي، والفساد الأخلاقي. 

ومن المفارقات الغريبة، إنني سمعت الزعيم السوداني البشير الراحل، فقط قبل مدة وجيزة، يقول للمنتفضين في السودان، إذا أردتم تغيير النظام وإسقاطه، فليكن ذلك في صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة. فالطبقة الفاسدة لها سمات مشتركة، في كل بلدان العالم، شرقه وغربه، وجنوبه وشماله، فالسلطة تقود المتسلطين إلى تضخم في الذات، خصوصًا إذا طال مداها. الثورة بدأت في لبنان، ولا يعرف جميع المحللين نهايتها، وحتى ذلك الوقت، ستبقى قلوبنا، قلوب كل العرب، قلوب كل الشرفاء في العالم، على لبنان، وجرح لبنان المفتوح النازف، وبلا شك، فالشعوب تتجاوز أزماتها، وسيعود لبنان الجميل، لبنان الثقافة والتنوير والفرح الذي أكد اللبنانيون أنهم صناعه، حتى في الأزمات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا