النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

صناعة «مصارعة الثيران» مجزرة بشعة

رابط مختصر
العدد 11162 الخميس 31 أكتوبر 2019 الموافق 3 ربيع الأولى 1441

في أواسط شهر أكتوبر من هذا العام تناقلت جميع وسائل الإعلام، على المستوى العالمي، خبرًا عن إصابة غونثالو كابابيرو (27 عامًا) بجروح خطرة، ويبدو أن الخبر مهم جدًا !!! ويبدو أن الجريح أهم من الخبر، وأن خبر جرحه مادة إعلامية تهم جموع البشر؛ إنه شاب إسباني وقد أصيب بجروحه الخطرة أثناء قيامه بوظيفته المعتادة، وظيفته ليست كبقية الوظائف في المجال الانتاجي او الخدماتي أو الحكومي، ولا هو بالانسان المغامر الذي يتسلق الجبال الشاهقة أو يغوص في أعماق البحار في وسط أسماك القرش أو ممن يمارسون رياضة السباحة في أعالي السماء، أو بهلوان في السيرك فقد توازنه وهو يقوم بألعاب بهلوانية معقدة وخطرة. وظيفة هذا الشاب الإسباني (البريء والمهم جدًا!!!) هو التعذيب والإنهاك والقتل في حلبة واسعة تضم ألوف وبعضها عشرات الألوف من المشاهدين، مع تغطية تلفازية وإذاعية وصحافية واسعة، إضافة إلى تهافت الشركات للاستفادة من هذا التواجد البشري المشاهد في الحلبة لنشر موادها الدعائية ترويجًا لبضائعها وخدماتها. إنها صناعة «مصارعة الثيران»... 

مع هذه المصارعة، نحن أمام مسرحية دموية يمثل فيها طرفان غير متكافئين، الطرف الاول فريق من القتلة من جنس البشر، والطرف الثاني ثور وحيد من جنس الحيوان محكوم عليه بالاعدام تعذيبًا.

مسرحية ليس لها نص مكتوب كبقية المسرحيات، لأن الممثلين فيها صامتون ينطقون بالحركات، وتتعالى الاصوات فقط من الجمهور المحتشد على المنصات التي تحيط بمسرح الجريمة، وموسيقى مصاحبة لمناورات القتلة التي يتفنن بها في فصول الاستفزاز، استفزاز الثور بقطعة من القماش الأحمر، والتعذيب بغرس سهام في ظهر الثور، سهام سيقانها مغطاة بريش ملون ونصلها حاد قاتل، وبعد أن تفعل السهام فعلها في تعذيب الحيوان المسكين وإنهاكه والدماء تتفجر من أعلى ظهره، بين السنام والرقبة، ويتحول لونه الاسود البراق إلى لون الدم، عندها ينتقل القتلة إلى الفصل ما قبل الخاتمة، فصل الرمح إعدادًا لفصل السيف، فبعد أن يشعر القتلة أن الثور قد بلغ الحد الأقصى من الإرهاق وفقدان كمية كافية من الدم تفقده وعيه وتحيله إلى حال من يتمنى الموت، عندها يمتطي أحد القتلة فرسًا وبيده رمح طويل، ويحوم حول الضحية في حركات استعراضية تثير إعجاب الجمهور، والثور المسكين يلف ويدور حول نفسه في حركات متهاوية يائسة، وبعد أن يرضي الفارس القاتل جمهوره بما يكفي من الاثارة يغرس الرمح بدقة وبسرعة في موضع الجرح الذي يتدفق منه الدم البريء، في أعلى الظهر، ومع كل تلك السهام الجارحة وهذا الرمح، يكون الثور عاحزًا شبه ميت، وتكون المسرحية قد أشرفت على خاتمتها. عندها تتوقف حركة القتلة ويصمت الجمهور ويقف الثور ميتًا ويخيم على المسرح صمت القبور، الكل في كامل وعيه وتحمسه ارتقابًا لمتعة الخاتمة... نعم... خاتمة القتل عند البعض متعة !!!... الخاتمة تبدأ بلحظات من التناظر المركز بين القاتل والضحية، القاتل يصوب أنظاره على موضع الجرح في ظهر الثور استعدادًا لغرس السيف بدقة قاتلة، والثور ينظر إلى القاتل ببراءة وحيرة ولسان حاله كأنه يخاطب القاتل والذين حوله، عبر تعابير وجهه المنهك، ووعي ما قبل الموت: «من أنا، ومن أنتم يا أيها السادة الكرام من جنس الذكاء، حتى تتلذذوا وتستمتعوا بتعذيبي وقتلي»، ولكن لا حياة لمن تنادي، فقد ضَمُرَ الضميرُ وتَكَلَّسْ... بعد هذا التناظر الدرامي الخفي تأتي لحظة الحسم، الخاتمة، خاتمة غرز السيف في قلب الثور عبر فتحة الجرح العميق التي هيأتها السهام والرمح قبل الإجهاز النهائي على الحيوان البريء المسكين، فيخترق السيف ظهر الثور إلى عمق القلب فيتمزق ويتفجر الدم من القلب فيلطخ القفص الصدري وتتنافض عضلات القلب وترتجف النبضات للحظات، فتسكن بعدها عضلات القلب وتموت النبضات، فيتهاوى الحيوان وتتصاعد أصوات موسيقى الانتصار من الجوقة الموسيقية وتتعالى أصوات المشاهدين بصرخات هيستيرية ويقذفون القبعات على فريق القتل تعبيرًا عن الاعجاب والتقدير، وقبعة أو ثلاثًا قد تسقط على الثور المسجى على الأرض، ويرجع كل إلى حيث يشاء لاستكمال برنامج يومه، وقد يذهب بعضهم إلى مطعم ويأكل قطعة لحم من ثور قد قُتِلَ بالأمس... ويسحب الثور من المسرح وينقل إلى المسلخ... 

إنها مسرحية مزرية بشعة، يجب أن يخجل الانسان منها، ويشعر بالذنب تجاه فعلته الاجرامية في حق البراءة...

المسرحية... استفزاز وتعذيب وقتل، في ساحة واسعة مكشوفة (غير مباركة !!!) أمام أعين الناس وأعين السماء، وبإجازة من أجهزة الدولة، ومباركة من مراكز المال والتجارة والاقتصاد، وبتلهف وترقب من كثير من المواطنين، وبشوق من الناس في أصقاع دول العالم، لمشاهدة مجزرة بشعة مزرية، يسمونها بكل وقاحة «مصارعة الثيران»، وهذه التسمية ليست سوى بهلوانية لغوية وقحة لتلطيف فعل المجزرة والتَبَرُّئِ من الجريمة، جريمة مكتملة الاركان تحت سقف الحضارة !!! حضارة ملوثة، بعد لم تتخلص من إرث الماضي البربري المثقل بطقوس نحر الحيوان والانسان تقربًا إلى إله البطش... جمهور من المواطنين والسواح ومن جميع الأعمار، مع تغطبة إعلامية عبر قنوات التلفاز، يثارون ويتأثرون ويتحمسون ويهللون ويردحون من على مقاعدهم، وهم شهود تتركز عيونهم على مجزرة أشبه ببعض من طقوس إنسان ما قبل التاريخ يقدمون القربان، في إحتفالية دينية، إلى رَبٍّ خَلَقَهُ مزيجّ من الخوفِ والجهلِ، في زمان كان الانسان يستمد من أسباب الكوارث الطبيعية أربابه كي يتقرب إليها ويرضيها بالعبادة وتقديم القرابين لها من حيوان وبشر... والعصر الحضاري لا يختلف كثيرًا عن العصر البربري، ففي مسرحية «الانسان ضد الثور» يتجمع فريق من القتلة على رأسهم بطل مغوار - مغرر النفس مغيب الشعور والاحساس طموح للشهرة وتسلق عتبات سلم الجاه-، وهذا البطل المغوار يسمى بالاسبانية الـ «ماتادور» أي «القاتل»، القاتل إنسان متحضر عاقل يعيش في أعلى مراتب الحضارة البشربة وفي دولة القانون، قانون إحقاق الحق للانسان وقانون إحقاق الحق للحيوان وضرورة حمابته والرفق به... ولكن الانسان، أمام دغدغات الجشع وإغراءات الطمع وبريق الشهرة وبهرجة الجاه، يجد لنفسه مسالك عبر دهاليز المال والنمو الاقتصادي للحصول على استثناءات أمام القانون وضد القانون، وبشرعية اقتصادية - سياسية، للخروج آمنًا سالمًا غانمًا وهو يبيح الجريمة... 

إن مسرحيات، أو بعبارة أصح صناعة «مصارعة الثيران» ليست سوى طقوس نجسة تغتصب البراءة في الحياة...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا