النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

استراحة قصيرة

رابط مختصر
العدد 11161 الأربعاء 30 أكتوبر 2019 الموافق 2 ربيع الأول 1441

في هذا العصر المليء بالهموم والمسؤوليات والمشاغل وساعات العمل الطويلة، لا بد من محطة استراحة لاستعادة النشاط والحيوية والحفاظ على الصحة، ويُعد السفر أحد الوسائل الناجحة للراحة واستعادة الحيوية. لم يعد السفر ترفًا، بل ضرورة لا نستغني عنها، وحاجة ندفع بها ضررًا صحيًا قد يلم بنا، وهو متعة لا تعوض بثمن.

 والغربيون يعرفون أهمية السفر أكثر منا، فلا ينقطعون عنه، حتى في أرذل العمر، وعلى النقيض من ذلك هم يقبلون على السفر في هذا العمر الذي يتزامن مع التقاعد عن العمل، وفي السفر ثقافة وخبرة تضاف إلى ثقافتك وخبرتك، فأنت تلتقي ببشر مختلفين، لهم طباع مختلفة، وعادات وقيم مختلفة وأفكار وتجارب مختلفة، وبعض هذه الطباع والقيم والأفكار جديدة علينا وإيجابية، فنأخذ بها، بخاصة عندما نذهب الى البلدان الأكثر تطورًا والأرقى حضارة. 

فالاحتكاك بالشعوب المتقدمة ينقل لنا مزايا ومحاسن وخبرات هذه الشعوب. وفي السفر أيضا تكتشف أهمية أمور لم تكن تعرفها وأنت في بلادك، فأنت لا تعرف قيمة الوطن إلا إذا ابتعدت عنه، ولا تعرف أهمية الأهل والأصدقاء إلا إذا إبتعدت عنهم، والشاعر أحمد شوقي له أبيات جميلة أستعيدها دائمًا حين أسافر يقول فيها:

 وطني لو شغلت بالخلد عنه 

 نازعتني إليه في الخلد نفسي

 وعندما تسافر عن أهلك وأصدقايك ومعارفك يدركون كم تركت في غيابك من فراغ في حياتهم، فنحن لا نعرف أهمية القمر إلا حين يغيب، ولا نعرف جمال الشمس إلا حين يأتي الليل، ويرى الشاعر أبوتمام أن السفر هو تجدد فيقول: 

وطول مقام المرء في الحي مخلقُ / لديباجتيه فاغترب تتجدد.

وفي البيت الذي بعده يقول: 

فإني رأيت الشمس زيدت محبة / الى الناس أن ليست عليهم بسرمدِ. 

وهذا العالم الذي نعيش فيه واسع، وفيه خبرات متعددة ومتنوعة، كتعدد الأقوام والشعوب. ولكل شعب أو أمة أفكار ومبادئ وقيم، وموروثات وعادات طريفة ورائعة قد لا نعرفها إلا حين نتصل بهذه الشعوب والأمم، فتتسع بها مداركنا وخبراتنا في الحياة، يقول الكاتب الفرنسي فوجريه دومونبرون:«من لم يرَ غير بلده يكون قد قرأ الصفحة الأولى فقط من كتاب الكون». ويقول الكاتب مصطفى أمين (رحلة إلى الخارج تساوي قراءة ألف كتاب) والكثير من الكتّاب ربط السفر بالثقافة والمعرفة. 

أيضا البقاء في المكان الواحد مدعاة للسأم والملل والضجر والجمود، فالماء الجاري أنفع وأنقى من الماء الراكد، فإن ظل الماء في مكانه فترة طويلة صار آسنًا. التجديد والتطور والارتقاء يكون في الحركة والانتقال، عندما تستمع الى أغنية واحدة طول الوقت تملها وإن كانت جيدة، والانتقال إلى أماكن جديدة، ومدن جديدة، و«لكل جديد لذة»، وإن كان السفر متعبًا، لكن معظم أحوال السفر مفرحة ومبهجة وفيها عذوبة وانشراح. 

وفي السفر أنت تخوض تجارب جديدة، تتعلم منها أمور كانت عليك خافية. وفِي السفر أيضا تكتشف معادن الأصدقاء، وينصح بتجنب السفر مع البخلاء، لكي لا تفسد سفرك، فالبخلاء في السفر يعتاشون على جيبك، في وقت أنت فيه في أشد الحاجة للمال، وطباع البخلاء تسقمك، وتغيضك طول الوقت وأنت تسافر طلبًا للراحة والبهجة طول الوقت ولا تريد نكدا. 

وفِي السفر منافع لا تعد ولا تحصى، ومن مدهشات السفر أنك حين تنتقل في المكان، ينتقل ذهنك عن هموم المكان الأول. ففي السفر تتوجه جميع حواسك الى أشياء المكان الجديد، وتدرك من الوهلة الأولى أنك تحررت من أثقال كانت تقلقك.

 والشاعر الذي قال إن للسفر سبع فوائد لم يحالفه الصواب، فللسفر فوائد لا تعد ولا تحصى. ويأبى السفر إلا أن يكون ختامه مسكا، ففي نهايته تنتظرك فرحة العودة الى الوطن الذي افتقدته كثيرًا واشتقت إليه كثيرًا، كما اشتقت الى رؤية أهلك وأصحابك، والأمكنة التي تحبها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا