النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

مجلس التعاون.. الحلم الجميل (1)

رابط مختصر
العدد 11160 الثلاثاء 29 أكتوبر 2019 الموافق غرة ربيع الأول 1441

 الزمان: ثمانينات القرن الماضي.. الحلم: مجلس للتعاون بين دول الخليج العربية.. السبب: الحرب العراقية الإيرانية التي اشتعلت في (سبتمبر 1980م) وتورَّطت دول الخليج بتداعياتها فأصبحت الحاجة مُلحّة لتوحيد صفوف الإمارات الخليجية وتثبيت مواقفها تجاه التهديدات المحيطة بها.. صاحب الفكرة: لا يهم إن كانت الفكرة للمغفور له سمو الشيخ جابر الأحمد الصباح، أو صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه، أو سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ما يهم هو ولادة هذا الحلم الذي عشتُ كواليس اجتماعاته التحضيرية لحظة بلحظة في الشهور الأولى من عام (1981م)، وشهدتُ إدراك قادة مشيخات الخليج الصغيرة لحجم المسؤولية التاريخية والتحديات والمخاطر التي تواجههم.

فالذاكرة تعود بي إلى الرياض وتحديدًا إلى قصر صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل رحمه الله، حيث بدأت من ذلك القصر مناقشات المسوَّدة الأولى للنظام الأساسي لمجلس التعاون بعد أن أعدتها لجنة ضمَّت عددًا من الخبراء السياسيين والقانونيين السعوديين والكويتيين منهم الشيخ عبدالرحمن المنصوري وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسة رحمه الله، والسفير الكويتي عبدالله يعقوب بشارة مندوب الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة.

تناولت المسوَّدة الأولى للنظام الأساسي صيغة التعاون بين دول الخليج الستّ الهادف إلى تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بينها في جميع الميادين وصولًا إلى وحدتها وهو ما انتهت إليه مادته الرابعة، وأكَّد على تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون بين مواطني دول المجلس، فجاءت المنطلقات واضحة في ديباجة النظام الأساسي التي شدَّدت على ما يربط الدول الستّ من علاقات خاصة وسمات مشتركة وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية وإيمان بالمصير المشترك ووحدة الهدف، وأن التعاون فيما بينها إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية.

وكانت الأسماء المؤسِّسة لهذه المنظومة بعد اجتماعات مكثفة ومفاوضات طويلة ومعقّدة، أصحاب الجلالة والسمو القادة: الشيخ زايد بن سلطان آل نهيـان رئيس دولة الإمارات العربية المتحـدة، والشيخ عيسى بن سلمان آل خليفـة أمير دولــة البحــريــن، والملك خالد بن عبدالعزيز آل سعــود ملك المملكة العربية السعــوديــة، والسلطان قابوس بن سعــيد سلـطان عُمان، والشيخ خليفة بن حمد آل ثانــي أمير دولـة قطــر، والشيخ جابر الأحمد الجابر الصبـاح أمير دولــة الكويــت، وأصحاب المعالي وزراء الخارجية: صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الصباح، والمغفور له سمو الأمير سعود الفيصل، وسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة، ومعالي أحمد خليفة السويدي، والشيخ أحمد بن سيف آل ثاني، ومعالي يوسف بن علوي عبدالله.

فوُلد مجلس التعاون بتوقيع القادة المؤسسون على نظامه الأساسي في القمة الخليجية الأولى التي عُقدت في مدينة أبوظبي، وتمَّ اختيار الرياض مقرًا له، والدبلوماسي الكويتي عبدالله يعقوب بشارة أمينًا عامًا واستمر في هذا المنصب حتى (مارس 1993م).

فكانت ولادة المجلس أكبر إنجاز سياسي واقتصادي عربي ضمَّ أغنى الدول العربية في منظومة واحدة؛ ما أدى إلى إحداث تغيير واضح في معادلة التوازنات والتكتلات السياسية العربية والتأثير على القرار العربي على الساحة العربية والدولية وتوجيهه بما يخدم مصالح دول مجلس التعاون.

فكيف أدَّت التهديدات الخارجية والخلافات الداخلية والمشاكل الحسَّاسة بين دول المجلس إلى ما حلَّ به من تداعيات خطيرة عصفت به ودمَّرت كيانه، وأضاعت الحلم الجميل بعد تسعة وثلاثين عامًا من العمل المشترك الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق المواطنة الخليجية الكاملة؟ 

إن الإجابة على هذا التساؤل تتطلَّب قراءة تاريخ المنطقة ابتداءً من استقلال دول الخليج العربية ونشأة كياناتها عام (1971م)، حيث كان من الطبيعي أن تصاحب ذلك قضايا ومشكلات عديدة لها من الخلفيات والأسباب الكثير، وتتمحور أغلبها حول:

• قضايا الحدود السياسية بين الدول، بسبب التوارث الاستعماري لها أو التعهدات القانونية الدولية السابقة التي أبرمتها بريطانيا.

• العلاقات مع دول الجوار والمشاكل العالقة معها، ومحاولة حل الممكن منها عند توافر الحكمة وحُسن النوايا.

• قضايا أخرى مثيرة للخلافات بين دول الخليج بسبب تباين الآراء حولها واختلاف المصالح بشأنها، وهو ما يتطلَّب استحداث حلول مناسبة لمعالجتها.

وعند التركيز على قضايا الحدود السياسية بين دول الخليج العربي في مرحلة ما قبل اكتشاف النفط، نجد أنه لم يكن هناك اهتمام أو جهود لتحديد أو ترسيم للحدود فيما بين هذه الدول، وكان مفهوم (الحدود الرسمية) لا يعني لها الكثير، لأن الولاء إلى وحدة سياسية كان أمرًا غائبًا عن مشيخات الخليج العربي التي اقتصرت السلطة المُنظِّمة لديها في السيادة على المرافئ والواحات ومناطق الآبار والعيون، فكانت الحدود أكثر مرونة بسبب اعتماد مناطق رعي القبائل كحدود مقبولة جدًا بين الدول.

إلا أن المستجدات التي صاحبت اكتشاف النفط والتوقيع على الامتيازات النفطية الأولى في ثلاثينيات القرن العشرين، وما تمتلكه دول الخليج من ثروة نفطية هائلة وحاجة العالم للنفط كمصدر مهم وأساسي للطاقة، أدى إلى الدفع نحو ترسيم حدود الدول الخليجية.

فكان استقلال دول الخليج، والظروف الجيوستراتيجية في المنطقة وعدم ترسيم الحدود بين دول الخليج في وقت مبكر واختلاف الرؤى بينها حول الاحتياجات الأمنية التي ترتَّبت على قرار الحكومة البريطانية الانسحاب من شرق السويس عام (1968م) وتحديدًا من منطقة الخليج العربي، هي الأسباب الرئيسية لزرع بذور الخلافات بين دول الخليج الناشئة التي كانت تتنافس على الموارد وتبحث عن هوية وطنية في ظل غياب الإطار الأمني الفعَّال، فتفجَّرت التوترات وعادت الخلافات التاريخية القديمة خصوصًا حول مناطق حقول النفط الأكثر قيمة، وتضرَّرت قدرتها على تنفيذ الاتفاقيات والتفاهمات وبرزت حالة من عدم الثقة بينها، كما ارتفعت المطالبات الإقليمية القديمة لتشكِّل تهديدًا خارجيًا خطيرًا على استقرار دول الخليج، وطفحت العداوات القبلية بينها على السطح، وحول تفاصيل هذا الموضوع سيكون مقالي القادم بإذن الله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها