النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11316 الخميس 2 ابريل 2020 الموافق 9 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:55PM
  • العشاء
    7:25PM

كتاب الايام

لبنان الذي أُحب

لبنــــان الــــذي أُريــــــد..!

رابط مختصر
العدد 11159 الإثنين 28 أكتوبر 2019 الموافق 29 صفر 1441

في التاريخ.. في الجغرافيا، في السلم الموسيقي، في عروض الشعر ومحسنات سيباوية المدارية، وقوافي «جبران» الخرافية، وفي مطارحات بشاره الخوري الغرامية، وأساطير فيروز «الرحبانية»، يطل علينا وطن اسمه لبنان.

مجرة تسبح في ملكوتها المستبد، فُلك يفصله الخالق عن طائر الفينيق تارة، وعن خواطر شرق المتوسط تارة أخرى، بين الطائر والإنسان تحط الذكريات على شجر الأرز في جميع المواسم، تُسبح بحمد الله كلما اقتربت من شلال ماء لم تصبه الشيخوخة المبكرة، أو جبل «ملسون» يتحدث للعالم كله، بكل لغات الأرض، أو رائحة من ليالي بعلبك وهي تغرد في آذان المستمعين لحظة أن ينطلق العود الإلهي الشجي حاملاً أصابع فريد الأطرش وهو يغني من لبنان. 

لبنان الذي أُحب، ليس هو لبنان الذي أُريد، لبنان الذي أُحب هو الذي أخرج الطبيعة من جنة خلد مستكينة، وصوَّر الحياة على أنها سعادة مطلقة حتى تتخلص الروح من أسر الجسد، يدٌ تمسك بـ«السلاح» وأخرى تشيد للبناء، في الصباح يتقابلون على كسرة خبز وفي حرب شوارع لا تنتهي، وفي المساء يتأنقون ليقضون أحلى السهرات على صوت أم زياد وأنغام «الأخوين» المغادرين، وتوزيعات «خلفائهم الراشدين».

لبنان الذي أُحب هو الذي أخرج لنا الثمرات من الحجارة، والينابيع من ذر الرماد في العيون، والفسائل المستحيلة من تربة الأولين عندما تزهر فوق جثة مظلومة.

و.. لبنان الذي أُريد هو المخلص الذي في السماوات، أبانا الذي آن أوان عودته مجددًا إلى الأرض، الكون في بلاد الفينيق يحتاج إلى إصلاح، والإنسان على أرضه المسحورة لا يحتاج لمزيد من النصائح أو النداءات، الميدان الأكبر وسط بيروت والشوارع الأعمق من الأشرفية، حتى طرابلس الغرب، جميعها قطعة بارود فوق صفيح مشتعل، مظاهرات تعيد لعيني نورها المقطوع، ولصوتي المبحوح نضارته الأولى، هي كذلك عندما اتفق الشعب على أن لبنان فوق المحاصاصات، فوق الحزبية والطائفية ورؤسائها وملوكها غير المتوجين، فوق المصالح الشخصية الضيقة وتعالي الطوائف المستوردة المتكبرة المتكالبة، والأطياف المتوارثة المعلبة.

لبنان الذي أُريد قطعة من الجنة لو أرادت، وقسمة على ذواتها المتوحدين، وتشرذم مرفوض على انكفاءات وتبادل للأسرى والمنافع والمواقع والغنائم والجثامين.

في الصحافة اللبنانية وإعلامها المرئي والمسموع عبرٍ ودروس، تجارب وخبرات في الداخل العميق تنمو في«السفير» الراحلة، وفي الخارج البعيد يتجلى «نعيمة» في أطروحاته وأشعاره ومواقفه، حتى مي زيادة لم تحب سوى لبناني مهاجر، وفلانة بنت فلان لم تعشق سوى أسطورة الكلمة عندما تنشدها أصابع سهيل إدريس في آدابه البيروتية أو يوسف الخال في قصائده الرمادية، أو خليل حاوي أو أنسي الحاج في أبدياتهم المطلقة. 

الصحافة اللبنانية التي أفاضت على الشرق العميق بالأهرام المصرية على أيدي سليم وبشارة تقلا، دار الهلال بوزنها النوعي العتيد على أيدي إميل وجورجي زيداني، وروز اليوسف من رحم فاطمة اليوسف «فاتنة الدنيا وحسناء الزمانِ» أو الأم المُثلى للأديب المصري الكبير إحسان عبدالقدوس.

لبنان الذي أُريد، هو لبنان الذي أُحب، مظاهرات تفضي إلى دولة بعيدًا عن عريضة الحريري الإصلاحية، أو عن مغامرات حسن نصر الله العقائدية أو تمترسات بري والقوة اللبنانية وقصر بعبدا في منافيه الاختيارية.

حتى ميشيل عون لم يصبح رقمًا متكبّرًا في معادلة غير متكبّرة، ارتضى لنفسه تعالٍ من نوع خاص، «موارنة» يؤيدون أصبحوا على المحك، ومسلمون مقسومون تمامًا هكذا كانوا، وهكذا أصبحوا، وهكذا وللأسف الشديد إلى يوم الدين.

الشعار الفضفاض أصبح مرفوضًا في الميدان، الفساد الذي يتهم الجميع ويطال الجميع في «لبنان الذي أُحب» هو نفسه الفساد الذي يتغاضى عن الاتهامات في «لبنان الذي أُريد».

و.. كل ما أخشاه أن يحدث «فرق تسد»، حدث لم يحدث، ويعود الجميع إلى المربع الملطخ بالتهاون، بالتنازل عن الدولة من أجل عيون الجماعة، لبنان الذي أُريد، ولبنان الذي أُحب، هو الذي أُريد وهو الذي أُحب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها