النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

ما أحوجنا لثقافة العرفان والاعتراف بالجميل

رابط مختصر
العدد 11159 الإثنين 28 أكتوبر 2019 الموافق 29 صفر 1441

أرسل لي أحد الأصدقاء فيديو قصيرًا، يظهر فيه عدد من الطلاب وقد قرروا بعد 26 سنة زيارة معلمهم أثناء وجوده في الصف. المعلم مضى عليه في مهنة التدريس 36 سنة في ذات المدرسة الثانوية، والطلاب تخرجوا من الثانوية العامة منذ 26 سنة وأصبحت أعمارهم تتجاوز الأربعين. قرر الطلاب أن يفاجئوا استاذهم وهو في قاعة الدرس بزيارة وفاء وامتنان، بعد أن تجمعوا بعد طول فراق. وكان الأمر كذلك. دخل الطلاب الصف والأستاذ منهمك في شرح الدرس فكانت المفاجئة مذهلة، وكان المشهد مؤثرًا إلى أبعد الحدود، بين الفرح والبكاء وكان التأثر الإنساني كبيرًا.

قلت للصديق:

إن مثل هذه المشاهد - وسط ما يأتينا يوميًا من فيديوهات البشاعة والعبث والإنكار والتنكر والعنف والسباب والتعدي على الكرامة الانسانية - أصبحت تفاجِئنا وتفرحنا في زمن تراجعت فيه قيم الوفاء والاعتراف بالجميل. أما في الأصل فإن الاعتراف يفترض أن يكون ممارسة أخلاقية وإنسانية عادية من لوازم الاجتماع الإنساني.

قال الصديق:

أتفق معك تمامًا وأضيف إلى ذلك بأن الناس قد تغيّروا بفعل تحولات الزمن الجديد، والنفوس استوحشت وأصبحت القيم التي سادت حياتنا قبل 50 سنة بالية وغير مجدية في منظور الأجيال الجديدة في الغالب الأعم.

قلت للصديق:

إن هذا الفيديو وما أظهره من محبة ومن تعاطف ووفاء واعتراف بالجميل، يقول لنا إن الدنيا ما تزال بخير رغم هذه التحولات التي أشرت إليها. لقد كان هذا اللقاء الغامر، في تجلياته الإنسانية تعبيرًا صادقًا عما بين الأستاذ وتلاميذه من وشائج المحبة والعرفان بدوره الكبير فيما أصبحوا عليه. وإن هذا القدر العالي من الوفاء للمعلم، وما أبداه طلابه (الكبار) من مشاعر فياضة تجاهه، وما رددوه من كلمات وعبارات المحبة والتقدير، يعكس حجم الاعتزاز بعطاءات المعلم، وبأياديه البيضاء على الجميع، حيث تحول إلى رمز العطاء والإنسانية والإنجاز. لم تكن كل هذه المشاعر الغامرة في لحظة اللقاء، ولم تكن تلك الكلمات العفوية التي قالها الطلاب، مجرد كلمات عاطفية، وإنما كانت ترجمة حقيقية، للاحتفاء بالأفعال، وبأياديه البيضاء على الأجيال وعلى الوطن. فقد استحق كل هذا التقدير الذي أراه لا يقل أهمية عن ذاك الذي نشعر به تجاه الذين كُتبت أسماؤهم في صفحات التاريخ، بقدر كبير من الوفاء المتصل دون انقطاع. إن كلمات الشكر والتقدير والامتنان للمعلم، ليست في الحقيقة كافية لإيفائه حقه، أو بعض حقه، ولكن يكفيه فخرًا واعتزازًا، أنه يسكن قلوب وضمائر طلابه من كل الفئات والأعمار.

قال الصديق:

هذا كلام إنشائي يذكرني بخطب التأبين وحفلات التوديع الباردة الخالية من كل معنى. اسمح لي يا صديقي أن أقول لك إن أفضل تكريم للمعلم هو العناية به، ومنحه قدره المادي والمعنوي وهو على رأس العمل. فإذا كان مربي الأجيال في أسفل السلم الاجتماعي والاقتصادي، مقارنة بزملائه في مهن أخرى مماثلة، فأي احترام يمكن الحديث عنه، وأي وتقدير له أو توقير؟؟

قلت للصديق:

 إني أتحدث عن جانب آخر لا يقل أهمية عن الجانب المادي الذي رغم أهميته يبقى لا قيمة له أمام المعاني الإنسانية والقيمية. وهنا أسألك مثلاً: ما الذي يجعل هؤلاء الطلاب يتنادون من أكثر من منطقة ومدينة ويجتمعون ويقررون زيارة معلمهم في المدرسة وهو على أبواب التقاعد؟؟ غير الحب والاعتراف بالجميل؟؟ وعليك أن تعترف أن هذا الأمر لا علاقة له بالمادة، تمامًا مثل العلاقة التي تشد الأبناء بالآباء والأمهات. فالاعتراف بالفضل لأهله، من أهم القيم التي تمس عمق إنسانية الإنسان، فهو آية الوفاء، وسقيا العلم والأدب، وقد أدركتْ ذلك الأمم العظيمة، فجعلت تقدير رجالاتها ونسائها وعظمائها ومعلميها وأدبائها وعلمائها بنفس الدرجة من المكانة والتقدير، ومنحتهم ما استحقوا من التكريم.

قال الصديق وقد ازداد إصرارًا على رأيه:

وأنا أسألك وأجبني بصراحة، ومن دون اللجوء إلى لغة الإنشاء: هل يكفي المعلم الاعتراف بالجميل والتوقير؟؟.

قلت:

بالطبع التوقير والاحترام والاعتراف بالجميل لوحده لا يكفي، لأن التقدير والتوقير أيضا يجب أن تكون له ترجمة مادية تتناسب مع الجهد والتعب والكدح. فالأمران متكاملان وضروريان في ذات الوقت. ولا ينفي أحدها الآخر ولا يعوضه.

قول على قول: حلمنا

تعقيبًا على مقال سابق تحدثت فيه عن أهمية الحلم في الحياة، وأن من لا حلم له لا حياة له، وأن ما ينطبق على الأمم ينطبق على الأفراد أيضا، أرسل لي أحد الأصدقاء التعقيب التالي:

«نعلم جيدًا أن كل بلد نموذجًا ما. وأسطورة ما، وحلمنا تجرى وراءه العامة ويزنه الساسة والنافذون والجامعون قدر ما يريدون. فما هو حلم العربي؟؟؟ هل هو الفقير الذي يبدأ من الصفر، ويصل إلى الملايين بفضل ابتكاره وعمله؟ أم الكادح الذي يجد اعترافًا وشهرة وتقليدًا من نظرائه في شمال البلاد وجنوبها؟ أهو العصامي الذي يروم إنشاء إمبراطورية شخصية تغطي العالم؟ أو العصامي الآخر الذي يتجه إلى الخلود في بال الكادحين؟ الجواب اليوم تغير ولم يعد بديهيًا.

نظرة من هنا وهناك، كفيلة بإعطائنا بعض جواب. النموذج السائد حاليًا يمكن اختزاله في المعادلات التالية: ما أبعدنا عن الدكاكين التي بدأت صغيرة وتحولت فيما بعد إلى تروستات ضخمة... فلا أحد عندنا، يريد أن يبدأ صغيرًا... ولا أحد يقدر على ذلك أيضًا... أما العمل والسهر والكدح... فالكل يعلم أنها لا تجدي لوحدها للوصول إلى القمم... فالعامل أو الموظف المجد، يمكن في أحسن الأحوال أن يفوز برتبة موظف فحسب. الذين أرادوا أن يكبروا فتحوا لأنفسهم أبوابًا أخرى غير هذه الأبواب.... ووجدوا أن كل عتبات السلم لا تعمل إلا على أساس هذا المبدأ ووجدوا أيضاً أن الكفاءة والدراية والجدوى والجدية والإخلاص في العمل، لا معنى لها جميعًا... وأن أجهل واحد يعمل أفشل مشروع وأسخف فكرة يمكن أن يفتح أمامه باب الفردوس». 

همس

أنتِ أجملُ الشعر،

رقصة حول المعنى.

وشرفة على البحر

والليلُ ماطرٌ،

ووردة صباح.

أقف كلَّ اليوم

 تحت نافذتك

مسرحًا قلبي كي أراك

وشوقي بلون الزنابق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها