النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

الراحل الباقي علي سيار..

عتبتي الأولى في الكتابة الصحفية والثقافية..

رابط مختصر
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440

إذا أردت أن تتلقى دروسًا في الجرأة والمشاكسة والموضوعية والصرامة في الموقف والرأي، فعليك أن تلتحق بمدرسة الكاتب الصحفي الكبير علي سيار، ممثلة في مجلته الأسبوعية الرائدة والباذخة (صدى الأسبوع). 

هذه المجلة السياسية الاجتماعية الثقافية الشاملة الجامعة، تعتبر المجلة الأولى ذات الصدارة المثلى بين المجلات وجريدة الأضواء إبان سبعينيات القرن الماضي وقد تسنى لي الالتحاق بمدرستها في أوائل السبعينيات عبر الكتابة في صفحة (بريد القرّاء) بالمراسلة، حيث كنت طالبًا في الإعدادية الأولى، وكانت فرحتي لا توصف حين نشرت لي المجلة موضوعًا في هذه الصفحة بعنوان (احذروا أدخنة الغاز)، وأقصد تلك الأدخنة الكثيفة السوداء المنبعثة من أبراج الغاز التي كنا نرى نيرانها العمودية من فسح الرفاع المجاور جنوبًا لمصدرها.

وأذكر أن نشر المجلة لموضوعي هذا، شجعني وشجع بعض الأصدقاء للتواصل مع المجلة والنشر في صفحتها الخاصة بالقراء، الأمر الذي جعلنا أشبه بالراصدين للقضايا والموضوعات التي تستحق أن نكتب فيها رأيًا يمكن لصفحة القراء بالمجلة نشره. 

وفعلاً وجدنا استجابة طيبة من المجلة لنشر موضوعاتنا، الأمر الذي أصبحت فيه هذه المجلة واحدة من أهم المجلات التي ننتظر كل يوم ثلاثاء صدورها وجعل موضوعاتها الجريئة مائدة دسمة لحواراتنا وآرائنا، إلى أن فوجئت بطلب من الصحافي القدير حافظ الشيخ للقائي في الرفاع الشرقي، وهو أحد كتاب المجلة المميزين آنذاك، والتقينا ذات مساء وكنت حينها لم أتخيل يومًا بأني سأكون في محل اهتمام هذا الصحفي النشط، ودار بيننا حوار حميم أخذني معه إلى اللقاء في اليوم الثاني برئيس تحرير المجلة علي سيار الذي أبدى إعجابه بما أكتب ودعاني لمواصلة الكتابة في مجلته وفي أي شأن من الشؤون التي تحتويها المجلة، وهناك في مبنى المجلة بالمنامة التقيت ولأول مرة بمدير التحرير علي المأذون والمخرج الجميل عبدالرحمن صالح الدوسري وبعض كتاب الشأن المحلي. 

وأذكر أن مدير التحرير علي المأذون قد لمس في طريقة وأسلوب كتابتي الصحفية ما يومئ بالسبك الأدبي، فدعاني إلى محاولة كتابة موضوعات تمت للفن والأدب بصلة، فكان له أن كتبت موضوعًا طويلاً حول حياة الموسيقار العالمي الشهير (فاجنر) و(سيمفونياته) و(أوبرالياته)، ومن شدة إعجاب المأذون بالموضوع، أفرد له صفحة كاملة بالمجلة، وهي المرة الأولى التي ينشر لي موضوعًا خارج إطار بريد القراء وفي زاوية (مسرح الفكر) التي كان يشرف عليها آنذاك الأستاذ والناقد الكبير الدكتور عبدالحميد المحادين، ولعل المأذون بنشره هذا الموضوع منحني ثقة للكتابة في مجال الثقافة والفنون، وبأنني أصبحت قلمًا صحفيًا تجاوز منطقة الهواية والمراسلة البريدية المتواضعة. 

وحين قررت الدراسة الأكاديمية في المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت (قسم النقد والأدب)، التقاني الأستاذ الكبير علي سيار في مكتبه، وطلب مني عدم الانقطاع عن الكتابة والمجلة، وأنه سوف ينشر لي كل ما أكتبه وأنا بالكويت، إضافة إلى منحي أجرًا ماديًا رمزيًا عن كل موضوع أكتبه، وهو تشجيع لم أكن أتوقعه أو أصدقه في حينه، وفعلاً ظللت طوال الأربع سنوات أنشر في هذه المجلة، وأزاول عملي في الإجازات بمبنى صدى الأسبوع بجانب الزملاء الصحفيين الذين جمعتني بهم لقاءات وجلسات أثرت حياتي الفكرية والثقافية، ولا شك أن الفضل كل الفضل يعود لأستاذنا الكبير علي سيار. 

وحين استقر بي الحال في عام 1980 في البحرين بعد التخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت والتحقت بوزارة التربية والتعليم كصحفي بإدارة العلاقات العامة، دعاني أستاذي علي سيار للعمل بمجلة صدى الأسبوع في قسم الشؤون الثقافية والفنية، وكان يرأس القسم آنذاك الصديق الراحل الكاتب الروائي المبدع عبدالله خليفة الذي كان يتميز بجرأة غير عادية في تناوله لموضوعاته الثقافية المثيرة للجدل الساخن، والتي انتقلت عدواها لدي، حيث أصبحت هذه الجرأة بالنسبة لي لازمة ضرورية ومهمة من لوازم الكتابة في الصحافة، وهي حالة بقدر ما أفرحت رئيسنا أستاذ الجرأة علي سيار، بقدر ما جعلته متوجسًا إلى حد ما من أمر سيقلقه أو يقلق مجلته، خاصة وأن هذا الصبي الذي تعرف عليه في أوائل السبعينيات قد اشتد عوده اليوم وصار في محيط ثقافي صعب ومورط، شخصياته أغلبهم من أهل السياسة والثقافة وأسرة الأدباء والكتاب والمسارح الأهلية، وكان بيننا الصديق الجميل الكاتب المفكر كمال الذيب الذي قصدنا بثقافة أدبية مغايرة، خاصة فيما يتصل بالفكر الأوربي. 

ولم تمضِ ثلاث سنوات على التحاقي بهذه المجلة، حتى يتم منعي من قبل مسرح الجزيرة من دخول إحدى مسرحياته التي كنت أنوي تغطيتها للمجلة، وذلك بسبب نقدي الجريء لمسرحيته السابقة (كان يا ما كان)، وهي أول سابقة يمنع فيها متفرج من دخول عرض مسرحي في البحرين، ولم أنسى حينها موقف أستاذي الكبير علي سيار من هذا السلوك، حيث كتب مقالاً يدين فيه هذا المنع الجائر لمتفرج وناقد في حقل المسرح، وليمتد صدى هذا المنع إلى جرائد أخرى في البحرين وخارجها. 

وأذكر أن هذه الموضوعات الجريئة الساخنة المثيرة للجدل، بقدر ما جيشت وألّبت علينا معارضين من القراء ومن أهل الثقافة والفن، أمدتنا بمؤيدين ومتابعين كثر لما كنا نكتبه من أهل الرأي والثقافة والفنون، الأمر الذي دعا أستاذنا الكبير علي سيار بأن يبوح لي ذات مساء بمكتبه في المجلة: «أنت محرر لا نستغني عنك في مجلتنا. هل تخيلت يوما أن تكون هذا الصحفي المشاكس؟» والابتسامة الأبوية استشعرها من بين عينيه اللتين تنظران إلي من خلف عدستي نظارته الطبية. 

وكان من بين الذين يستغربون جرأتنا في الطرح، الكاتبة الكبيرة طفلة الخليفة والكاتب المحامي أحمد الشملان. 

ولم يمضِ على هذا المشاكس عامين، حتى يورط المجلة ورئيسها بموضوع كتبه في آخر الصفحات فحواه رفض قاطع للانتهازية بشتى أشكالها، ليتعرض بسببه صاحبه المدعو يوسف الحمدان إلى مشاكل لم تكن يوما في الحسبان، وقد دخل على إثرها إلى قاعات المحاكم بسبب التباس لم يكن مقصودا فيه من تقدم بالشكوى ضده، وكان رئيسنا علي سيار أول الشهود في المحكمة، بجانب الصديق الراحل عبدالله خليفة، وهنا لا أنسى دور الصديقين المحاميين الراحل الكاتب يوسف عبدالله يتيم والمحامي الصديق عبدالوهاب أمين اللذين تصديا لهذه السابقة وإن كنت أول الخاسرين فيها، وهي أول سابقة يتعرض بسببها صحفي للمحاكمة، وكان أستاذنا علي سيار تقديرًا لتلميذه المشاكس بعد منعه لمدة ستة أشهر عن الكتابة، كان ينشر عمودي المعنون بـ(بصيص) بتوقيعي ودون موضوع. 

هو الكاتب الرائد الصحفي الكبير الراحل الباقي علي سيار، أستاذي الأول في حقل الصحافة بمهنيتها الاحترافية الحرة والجريئة واللامهادنة، هو عتبتي الأولى في هذا الحقل الذي يصعب لأي صحفي اختزال القضايا التي يتناولها فيه، هو مدرسة صحفية فريدة ليست في البحرين فحسب وإنما في خليجنا العربي، ولي كبير الشرف أن أكون يومًا أحد تلامذتها حتى العام 1987. 

فلروحك الرحمة والسكينة والطمأنينة والسلام..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها