النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

قراءة في ملفات قمّة مجلس التعاون القادمة.. بالرياض

رابط مختصر
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440

يقترب مجلس التعاون لدول الخليج العربية من عمره الـ(39)، مرَّ خلالها بالعديد من التحديات وواجه العديد من التهديدات وشَهد الكثير من الصراعات الخطيرة في محيطه الإقليمي، وإلى جانب ذلك فقد حقَّق من المساهمات والإنجازات ما كان سببًا في تماسكه طوال تلك السنوات رغم الخلافات الحادة والمشاكل الحسَّاسة في العلاقات الثنائية بين دوله والتي غطَّتها المجاملات السياسية، خاصة ما تعلَّق منها بالمشاكل الحدودية والصراعات على المناصب والمراكز والمؤسسات في الأمانة العامة للمجلس.

إلا أن هذه المنظومة تعرَّضت لأخطر تحدٍّ كاد أن يتسبَّب في انهيارها وهو (الأزمة القطرية) التي تفجَّرت في (5 يونيو 2017م) وتجاوزت تداعياتها جميع الخطوط الحمراء التي تحكم علاقات الأخوّة والدم والقبلية والمصير المشترك، حتى خاب بسببها الأمل في تحقيق حلم (الاتحاد الخليجي) الذي اقترحه المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في قمة الرياض في (ديسمبر 2011م)، والذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه ليقف بحزم وقوة أمام كافة التهديدات والأخطار التي تواجه دول الخليج بعد تداعيات الربيع العربي وما سبَّبه من دم ودمار وانهيار كامل لعدد من الأنظمة العربية.

فالأزمة الحالية التي صدَّعت جدران البيت الخليجي بشروخ عميقة جدًا لم تنحصر أسبابها حول الخلافات الدفينة بين دول المجلس فحسب، إنما كذلك للتداعيات الكارثية لذلك (الربيع) على استقرار الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، وأعظمها انهيار ركيزة الأمن العربي بسقوط النظام الحاكم في جمهورية مصر العربية، الذي شجَّع الدول الكبرى والإقليمية صاحبة المصالح في منطقة الخليج بالتعجيل بتنفيذ خطة (الفوضى الخلاَّقة) التي أعدّتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس في (أبريل 2005م) بهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد كردَّة فعل للهجمات الإرهابية التي دمَّرت برجي التجارة العالمية في نيويورك في (سبتمبر 2001م) والتي أصابت الكبرياء الأمريكي في مقتل.

وفي سابقة لن تتكرر في التاريخ الحديث التقت تلك الأهداف الخبيثة لكل من (الولايات المتحدة الأمريكية، إيران، دولة قطر، تركيا) في مسار واحد، فبدأ تنفيذ خطة الإطاحة بالأنظمة الخليجية القائمة ابتداءً من (البحرين)، لتصبح مدخل الحِراك السياسي والحقوقي في منطقة الخليج، عبر تأجيج الطائفية واستغلال الشارع الشيعي بشعارات حماية حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير والمظلومية، فقدَّم الحليف الأمريكي دعمه ورعايته للحِراك الخليجي الشيعي الطائفي بالتوقيع على الاتفاق النووي مع إيران في (يوليو 2015م)، وتجييش الشارع والإعداد للمظاهرات الحاشدة والاعتصامات والدعوة لها إليها في وسائل التواصل الاجتماعي بالتنسيق مع إيران التي قدَّمت الدعم اللوجستي وتدريب الجماعات الإرهابية عسكريًا انطلاقًا من كونها دولة شيعية يهمها تصدير مبادئ الثورة الخمينية لإقامة نظام الولي الفقيه في كافة الدول العربية.

فيما تركَّز دور دولة قطر لتنفيذ ذلك المخطط في تسخير كافة إمكانياتها وأموالها وإعلامها لتحقيق حلمها في التربّع على عرش الوطن العربي والتحكُّم فيه بعد تغيير أنظمته الحاكمة، خاصة في المملكة العربية السعودية وإزاحتها من المشهد السياسي والاقتصادي وإنهاء حكم آل سعود خلال عشر سنوات، فقامت بتبنّي وتمويل واحتضان مراكز الدراسات والتدريب والمنظمات الفكرية المشبوهة والشخصيات التي تمارس حراكًا مضادًا لدول مجلس التعاون، وتخصيص مساحات إعلامية واسعة على قناة الجزيرة لبثّ البرامج الإخبارية الملفقة والأفلام المحرّضة على الفتنة والانشقاق في المجتمع الخليجي، وتحالفت في ذلك مع (تركيا) التي تسعى إلى استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية عبر نشر الإسلام السياسي، فسعت قطر بكل قوة واستماتة لتمهيد الطريق إلى صعود تيار جماعة الإخوان المسلمين، رغم يقينها أن النهج الإخواني الذي يقوده أردوغان يتعارض تمامًا مع سياسة دول مجلس التعاون، إلا أن سيطرة تنظيم الإخوان المسلمين على فكر أركان الحكم القطري صوَّرت لهم بأنه من السهل على قطر أن تكون مركز القرار العربي وتحكمه ماليًا بملياراتها، وسياسيًا بنشر النهج الإخواني في كل الدول العربية بعد أن نجح مخططهم في مصر وتونس!

والآن، وبعد مرور أكثر من عامين على (الأزمة القطرية) التي زلزلت مجلس التعاون وجعلته يعيش حالة جمود لم يشهدها تاريخه، ومع التطورات الخطيرة التي يعيشها العالم العربي، والتي لن تنتهي بالتهديدات الإيرانية للأمن الملاحي في مياه الخليج العربي ولا بالهجوم التركي على شمال شرق سوريا المُهدِّد للأمن القومي العربي وللأمن والسلم الدوليين، والذي أيَّدته قطر رسميًا وخالفت بذلك الإجماع العربي، كيف ستكون القمة الخليجية في ديسمبر القادم؟ ماذا ستبحث؟ وماذا سينتج عنها؟ هل سيتصافح القادة؟ وهل ستُعَدّ قرارات القمة سلفًا قبل انعقادها؟ للوهلة الأولى يبدو أن الإجابات على كل تلك التساؤلات واضحة وضوح الشمس، إلا أن ذلك لا يمنع احتمالات حدوث أمورٍ غير متوقعة حتى ذلك الحين!

ففي ظل الظروف المتوترة التي تعيشها منطقة الخليج والعالم العربي، وتفاقم الأزمة القطرية، وعدم وجود بوادر مشجعة لحلها، وبعد أن رسَّخت قطر العديد من الخطوات المؤكِّدة على خروجها عن الإجماع الخليجي والعربي، يتضح أن أمام قمة الرياض القادمة ثلاثة قضايا مهمة فرضتها التهديدات التي تتعرَّض لها منطقة الخليج من قبل الأعداء والأصدقاء أصحاب المصالح، وهي:

أولاً: العلاقات مع إيران: من حيث أمن الملاحة البحرية في منطقة الخليج والتدخل الإيراني في اليمن، ومن غير المتوقع أن تكون هناك مناقشات في تفاصيل هذا الملف خلال قمة الرياض؛ لعدم وجود توافق في الرؤى حول التهديدات الأمنية المحدقة بمنطقة الخليج، إضافة إلى السياسات المتباينة بين دول المجلس تجاه إيران التي استغلَّتها بنجاح لشق الصف الخليجي من خلال توطيد علاقاتها مع بعض دوله.

ثانيًا: عملية السلام في الشرق الأوسط: والتي ازدادت تعقيدًا بعد صدور قرار الرئيس ترامب في (ديسمبر 2017م) بنقل مقر السفارة الأمريكية إلى القدس في اعتراف صادم بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وبعد توقيعه في (مارس 2019م) على إعلان بالاعتراف الأمريكي الرسمي على سيادة إسرائيل الكاملة على مرتفعات الجولان التي احتلتها في (1967م)، وبعد بوادر تنفيذ (صفقة القرن) في (مؤتمر البحرين للسلام الاقتصادي) الذي انعقد بدعوة من الولايات المتحدة الأمريكية في المنامة في (يونيو 2019م) بهدف دعم الاستثمارات الاقتصادية في فلسطين والمبادرات التي يمكن التوصل لها باتفاقية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ثالثًا: تعيين الأمين العام الجديد لمجلس التعاون: وذلك بعد أن تخلَّت سلطنة عُمان عن حقها في التعيين بعد انتهاء الفترة القانونية لولاية الأمين العام الحالي، والذي لو تولَّته لتمَّ استكمال تولّي الدول الستّ لمنصب الأمين العام على أن يبدأ النظام الجديد وذلك وفقما تمّ الاتفاق عليه بأن يكون التعيين حسب الحروف الأبجدية لأسماء الدول الأعضاء بعد أزمة الانسحاب القطري من قمة مسقط عام (1995م)، والمؤشرات تبيّن أن هناك إجماعًا على مرشح دولة الكويت، الذي ستكون مهمته شاقة في هذه المرحلة الصعبة، خصوصًا وأن التوازن في علاقاته بالدول الأعضاء يعتبر عاملاً مهمًا جدًا لتحقيق النجاح والخروج السليم من دوامة الإحراجات المتوقعة في بداية شغله لهذا المنصب الحسَّاس، وذلك للأسباب الآتية:

أولاً: نشأة تكتلات سياسية ذات مصالح في مجلس التعاون، بسبب تآمر دولة قطر على قلب أنظمة الحكم في (السعودية والإمارات والبحرين) بالتنسيق مع قوى دولية وإقليمية والتحالف مع تنظيم الإخوان المسلمين في مصر والإمارات، في حين أمسكت كل من سلطنة عُمان ودولة الكويت العصا من المنتصف، ما أوجد حالة غير واضحة تجاه موقفهما من الأزمة القطرية وساعد على استمرارها.

ثانيًا: تضارب المصالح بين دول مجلس التعاون والذي يمكن ملاحظته بشكل جليّ في:

• دعم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين للنظام السياسي الحالي بجمهورية مصر العربية للحفاظ على مصالحها انطلاقًا من مبدأ (تثبيت الأمن والاستقرار السياسي في مصر هو أساس الأمن القومي العربي)، في حين تَعتَبر دولة قطر أن النظام الحاكم في مصر غير شرعي وهو ليس سوى انقلاب عسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي رحمه الله. 

• تَعتبر المملكة العربية السعودية الحوثيين جماعة إرهابية، فيما ترى الحكومة القطرية أن هذه الجماعة أحد مكونات المشهد السياسي في اليمن. 

• ثالثًا: حالة الجمود التي أصابت أجهزة الأمانة العامة لمجلس التعاون وانعكست تأثيراتها على استكمال تنفيذ الكثير من المشاريع الخليجية المشتركة ذات الطبيعة التكاملية، والمهمة الشاقة التي تقع على عاتق الأمين العام الجدي في إعادة للعمل الخليجي المشرك والسير بقافلة المجلس إلى طريقها الصحيح باستمرار العمل وتحريك المياه الراكدة في العلاقات بين دول المجلس ودراسة الأزمة القائمة بين الدول الثلاث وقطر من كل جوانبها بعمق وتروّي، والعمل على إيجاد صيغة توافقية مقبولة وممكنة بين الدول الأعضاء.

• رابعًا: بيانات الأمانة العامة للمجلس التي تعتبر قنبلة موقوتة في سير أعماله، بسبب مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات والمواقف السياسية تجاه القضايا الإقليمية والدولية، فإظهار أيّ موقف سياسي للأمانة العامة حول أيّ قضية في أيّ مقابلة رسمية أو أيّ وسيلة إعلامية يتطلَّب التشاور المباشر مع الدول الستّ ابتداءً، والشواهد على ذلك متعددة. إن الأزمة القطرية وتبعاتها هزَّت كيان المنطقة، وأنهت كُل الآمال في عودة العلاقات الخليجية الخليجية إلى طبيعتها، فغيومها السوداء وضعت منطقة الخليج في خطر محدق بعد أن انشقَّ الصف الخليجي وتوقفت مساعي دولة الكويت الحميدة لرأب الصدع بسبب الحالة الصحية لصاحب السمو أمير دولة الكويت، وتعنّت القيادة القطرية ومكابرتها، وقناعة طَرَفي الخلاف بأن الحل أصبح ضربًا من المستحيل، وهذا ما أدى إلى زيادة التوتر السياسي واتساع الحرب الإعلامية بينهما، لتبقى (قمة الرياض) القادمة -بكل أسف- مجرد إطارًا برتوكوليًا كبيرًا جامعًا لدول (مجلس التعاون) الذي ضاعت إنجازاته وتبعثرت مبادئه وذهبت أهدافه أدراج الرياح كحال من سبقه من اتحادات عربية فاشلة.

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها