النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

الرئاسيّة في تونس:

ساكن قرطاج... والمنعرج

رابط مختصر
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440

 بعد مشهد سيريالي اشرأبّت فيه أعناق عدد كبير من الساسة والطّامحين نحو قصر قرطاج، رمز السيادة الوطنية في تونس، في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التونسية السابقة لأوانها، وبعد عقاب الناخب التونسي للأحزاب والمنظومة الحاكمة التي فشلت في تحويل آمال الشباب وحقهم في العمل والكرامة إلى واقع ملموس، وبعد مشهد عسير متخبّط في الانتخابات التشريعية تمخّض عن برلمان فسيفسائيّ لا أغلبية فيه لحزب تمكّنه من تشكيل حكومة بكلّ أريحيّة، بعد هذا وذاك، أقبل الناخب التونسي في الداخل والخارج بنسبة تكاد تقارب 60% على صناديق الاقتراع الأحد 13 أكتوبر لحسم أمر أعلى منصب في البلاد واختيار «ساكن قرطاج الجديد».

وقد اختار الشعب التونسي المرشح الجامعي المستقل قيس سعيد ساكنًا جديدًا لقرطاج بعد أن قام بحملة مناهضة لبرامج الأحزاب التقليدية، فنال في الدور الأول من الانتخابات 18.4% من الأصوات متقدمًا على مرشح حزب قلب تونس رجل الأعمال والإعلام نبيل القروي الذي تحصّل على 15.5% في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية رغم كونه كان رهين الإيقاف التحفظيّ في السجن بتهم تتعلق بتبييض الأموال والتهرب الضريبي. أمّا في الدور الثاني، ورغم إطلاق سراح القروي لخوض حملته الانتخابية، فقد آلت النتائج إلى ما يفوق 75% لفائدة قيس سعيد.

وبمجرد ظهور نتائج سبر الآراء بعد غلق مراكز الاقتراع، وقبل الإعلان الرسمي عن النتائج، خرج التونسيون والتونسيات بحركة عفوية معبّرة في شوارع العاصمة وغيرها من مدن تونس للاحتفال بنتائج الانتخابات الرئاسية، مُعربين عن أملهم في شخص الرئيس الجديد.

أمام هذا المشهد المتسارع والمليء بالمفاجآت، وبين منعطفات هذا المسار الانتخابي يمكن الحديث عن منعرج جديد على رأس الحكم في تونس، منعرج يحمل في طيّاته العديد من الحقائق، وكذلك العديد من الأسئلة الحارقة التي قد تحدّ من حجم تلك الآمال، ولكنها لن تفسد على التونسيين فرحتهم.

أما الحقيقة الأولى فهي أنّ منصب رئيس الجمهورية يظلّ الأهم في التصوّر الجمعي التونسي رغم أنّ دستور 2014 لا يفوّض، في ظاهره، رئيسَ الدولة صلاحيات واسعة نظرًا لاعتماد البلاد نظامًا شبه برلماني في الحكم. وبالرغم من ذلك وجدنا الاهتمام بالرئاسية في دورتها الأولى والثانية أوفر حظًا من الاهتمام بالانتخابات البرلمانية. وعليه فإنّ ساكن قصر قرطاج يحافظ على أهميّته ويخطف الأضواء دائمًا. 

لكنّ قراءة عميقة في الدستور التونسي الجديد تؤكّد أنّ الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية في جوهرها مهمّة جدّا وذات مضمون اقتصادي واجتماعي عملي ومعنوي وهي تتعدى بكثير الصلاحيات التي أراد البعض حصرها في مسألة العلاقات الخارجية والدفاع فقط، إذ ينص الفصل 72 من الدستور على أنّ «رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويحرص على احترام الدستور».

وأمّا الحقيقة الثانية فهي رسوخ السلوك الديمقراطي لدى كافّة مكوّنات المشهد الانتخابيّ في تونس: حيث تجلّى التعاطي النزيه للهيئة المستقلة للانتخابات بشهادة منظمات محلية ودولية، وتَأَكّد الحقُّ في الترشح الحرّ وفق ضوابط القانون ودون إقصاء، وتَحَقَّقَ إقبال محترم على الانتخاب في ثماني محطات انتخابية شهدتها تونس منذ 2011. وهذه بوادر تؤكّد، مُجتمِعةً، تَأَصُّلَ الانتخاب كآلية من آليات الديمقراطية في الحياة السياسية التونسية يستحيل العدول عنها في قادم السنوات. 

أمّا الحقيقة الثالثة فهي تهافت الأحزاب عمومًا والتقليدية منها بشكل أخصّ، حيث نأى الناخب التونسي بجانبه عن هذه الأحزاب في الرئاسية، واستماله في الدور الأول مرشّحٌ أوّل مستقل لا يُعرَف له ماضٍ سياسي ولا انتظام حزبيّ، ولا عمل ديبلوماسيّ، ولا يدَ له في عالم المال والأعمال، ومرشّحٌ ثانٍ حظي بثقة كبيرة من بعض فئات الشعب التونسيّ في الدور الأوّل رغم ما شاب سيرته من شبهات فساد. وبذلك قدّم الناخب التونسيّ درسًا سياسيًّا ناضجًا حين عزف عن مرشّحي الأحزاب ورجال السياسة الحاليّين والسابقين والطامحين المتسلّقين الجدد.

لكن يبقى سؤال التنمية الشاملة، والعدالة الاجتماعية، والأمن القومي والاقتصادي، ومكافحة الإرهاب والتهريب، ومحاربة الفساد، وتفكيك شبكة الدولة العميقة، وتوفير مواطن الشغل وإنقاذ البلاد من العجز الاقتصادي، والحفاظ على مكتسبات تونس الخارجية، وتعزيز السمعة الطيبة التي باتت تتمتع بها من أجل تشجيع المستثمر الأجنبي للعودة إلى تونس بقوة... تبقى هذه وغيرها من الأسئلة والمطالب الملحّة والحارقة، من أولويات ساكن قرطاج. فإلى أيّ مدى سيتمكّن الرئيس التونسي الجديد من تحقيق طموحات الشباب والمواطنين؟

 قد تكون المائة يوم الأولى غير كافية لتقويم الأداء السياسي لساكن قرطاج، ولكن قد تكون كافية لمعرفة أولوياته وبرامجه على المستوى الداخليّ والخارجيّ. غير أنّ المائة يوم الأولى يمكن أن تكون كافية للمواطن التونسي كي يبدي قدرًا كبيرًا من التعاون مع الرئيس الجديد والحكومة المنتظرة وذلك بمحاسبة المواطن لنفسه: ماذا عمل المواطن لمصلحة الوطن في مائة يوم؟ وذلك قبل أن يحاسب رئيسه وحكومته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها