النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

رسالة ضمير

رابط مختصر
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440

في الرابع من أكتوبر هذا العام، أقدم قاضٍ من كبار القضاة، على خطوة انتحارية ولكنها كانت فاشلة، فقد نقل بسرعة إلى المستشفى، وأنقذه الأطباء من موت مؤكد، فشل في قتل نفسه ولكنه نجح في إيصال رسالته، فقد كان قرار الانتحار نابعا من عقل راجح متزن لا لبس ولا مس فيه، وليس بسبب توترات نفسية أو خسارة في سوق الأسهم والأوراق المالية.

حدث قد يبدو غريبا، ولكنه في عالم الإنسان لا الحيوان، ليس بالحدث الغريب، فالإنسان قد اعتاد، منذ أن تفتق له الوعي بالذات والوعي للذات، على فعل القتل؛ القتل بنوعيه: قتل الغير وهو الفعل الإجرامي، وقتل النفس وهو الفعل الانتحاري. بين الفعلتين مساحة واسعة من النوازع النفسية التي تتحكم في اتخاذ القرار، وجميع القرارات مبنية على قاعدتين، إما المبدأ العام أو المصلحة الخاصة. وقد رأيت أنّه من الأفضل حصر الموضوع في الحدث ذاته وأسبابه وتبعاته دون ذكر الأسماء، من دولة وأشخاص، حتى لا يكون المقال أشبه بتقرير إخباري، خاصة وأن الهدف من المقال هو تبيان مسألة حساسة وجوهرية في حياة الإنسان، وهي الميزان بين كفتي المبدأ والمصلحة، أي بين الطاهر النظيف والعاهر الفاسد. فأصحاب المبادئ هم الذين يسعون من أجل تأمين المصلحة العامة واحترام القانون، بينما أصحاب المصالح الأنانية يسعون دائما إلى لستثمار القضايا والعبث بالحقائق من أجل مصالحهم الخاصة، حتى وإن اقتضى ذلك انتهاك حرمة القانون وإلحاق الأذى بالغير والعبث بالوطن. 

في إحدى دول أقصى الشرق في آسيا، وفي قاعة المحكمة، كان القضاء والقضاة أمام امتحان الحكم بالبراءة أو الإدانة، تقدم أحد القضاة بوثيقة تتضمن حكمه القضائي بشأن خمسة مواطنين مدانين بقضايا تمس أمن الدولة. وثيقة القاضي تتضمن حكما ببراءة المتهمين؛ نتيجة لعدم توفر الأدلة الكافية التي بموجبها يمكن إصدار حكم بإدانتهم، وأهمية وحساسية هذا الحكم هو أنه في حالة ثبوت التهمة الأمنية فإن المحكمة كانت ستقضي بإعدام ثلاثة والحكم المؤبد على اثنين، فالحُكم هو الحَكم بين الحياة والموت، حكم الإدانة بلا شك قاسٍ، وحكم بهذه القسوة يقتضي الدقة والأمانة واستشارة الضمير في التعاطي مع الأدلة المتوفرة وعدم الاستعجال أو عدم المبالاة في إصدار الحكم، وأن الحكم مُلزمٌ أن يكون عادلا يفي بمبدأ العدالة دون إزورار، خاصة وأن المبدأ في القضاء هو العدل والعدالة والرحمة والإنصاف، وأن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته، بمعنى أن القضاة، كمواطنين وكبشر، ليسوا أطرافًا في القضية حتى تلتهب نفوسهم غيضًا وكراهية وسعيًا للانتقام من الطرف الآخر، بل هم حكام أحرار يحكمون بين أطراف القضية بروح من العدل والالتزام المطلق بروح القانون، وروح القانون تلزم هيئة القضاء والقضاة بتقديس العدالة في حلتها المطلقة. 

والحكم بالبراءة أو الإدانة لا يكون إلاّ عندما تكون الأدلة دامغة لا لبس فيها، أي أن لون الأدلة أبيض أو أسود، وأن اللون الرمادي في القضية ليس سندا يعتمد عليه لإصدار أي حكم باستثناء تأجيل الحكم إلى حين توافر الأدلة الدامغة، وهذا هو روح القانون، وهكذا يكون القضاء مستقلا والقضاة أحرارا.

إن القشة التي كسرت ظهر بعير القاضي وحفّزت ضميره ومهنيته القضائية ومكانته الاجتماعية والوطنية هي تعليمات من جهات عليا توعز إليه، أي تأمره، أن يصدر حكما بإدانة المتهمين وإغلاق الملف القضائي الأمني. أي أن القاضي عليه، بأمر من جهة عليا، أن يخلع عباءة العدل ويلبس قناع الجلاد، وهذا ما لم يقبله القاضي على نفسه، فقد شعر هذا القاضي، بعد استلامه الأمر السامي غير السامي، بأن كرامته على محك الاختبار، والاختبار قاسٍ وصعب، وعدم الانصياع حتمًا ستكون له تبعات سلبية على وظيفته وربما على حياته، فأوعز إليه الضمير أن يصدر حكما عادلا ذات شقين، شق يمس قضية أبرياء في قفص الاتهام والإدانة، وشق يمس كرامته ومكانته؛ فأصدر حكما ببراءة المتهمين وحكما بقتل نفسه، فاستل من جيب عباءة القضاء، التي كانت تزين قامته، مسدسا وصوّبه إلى صدره. هذا الحكم المزدوج الذي رسم حروفه القلم وأطلق صرخته الرصاص كان الرسالة التي أبلغها القاضي إلى هيئة القضاء وإلى المجتمع،  كان القاضي على يقين بأن رسالة بهذا الحمل لا يمكن إيصالها إلاّ بالتضحية، فالتضحية هي حمامة العدل والسلام التي توصل الرسائل المصيرية إلى أهلها، فهل وصلت الرسالة؟ وصول الرسالة هو أول الغيث، وفاعلية الرسالة هي المحك والاختبار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها