النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

ماؤك يا وطن

رابط مختصر
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440

لم يكذب هيرودوت، ولم يُشبه له عندما قال إن مصر هبة النيل، لم يبالغ شوقي، أو شاعر الكوخ والعدم، عندما كتبا عن «جارة الوادي»، وهمسة محمود حسن إسماعيل الحائرة، كل الذين قالوا عن قصص عروس النيل لكي يفيض، والذين لجأوا إلى التوحيد منذ «أخناتون»، لكي يسري النيل في العروق مثلما يجري من المهد إلى اللحد، أو من النبع إلى المصب، أو من العدم إلى الوجود، جميعهم لم يتخيلوا مجرى في الهواء، أو نهرًا في سماء، لكنهم استلهموا منه حكايات الصباح والمساء، الثرثرة وشق الأنفس، البداية والنهاية، والصراع فيما بين الضفتين، أبدع عمر الشريف، وأجاد رشدي أباظة، وابتهلت لبنى عبدالعزيز وهي تتوسل إلى فرعونها الكبير كي تبقى على الضفة الحالمة مع حبيبها، تأكل الذرة المشوية، وتتمشى على الكورنيش البديع، وتتصدق بما تملك من قروش قليلة على بائع أدعية، أو مصاحف بحجم الجيب، هذا هو النيل الذي لا ينسى يا «درويش»، وهو الرافد الذي لا يهدأ يا «أبي أحمد».

لو كنت تريد إيقاف النهر حاول أن تفعل، ولو سعيت إلى تجفيف منابعه في الجنوب الأبعد من حبل الوريد، فعليك فورًا بالمبادأة، لا تنتظر لعام 2022 حتى ينتهي الانتهاء من الأعمال الخرقاء، عندها سترى أن الذين بنوا الأهرامات وأقاموا الحضارات، وزرعوا الأرض، وأنبتوا منها الطيب والثمرات، والنبيل من البشر، والبديع من العلوم، سوف يكون لديهم وبكل تأكيد رأيٌ آخر، رأيٌ يتجاوز جحور المناقشات العقيمة، والمهاترات اللئيمة، والأطروحات الساذجة.

مصر لا تريد أن تموت، وإن كرسي «الطرف الثالث» الذي أقعدتم عليه السودان الشقيق لمجرد أن 40 كيلومترًا فقط تفصل سدكم المزعوم عن جنوبنا المهموم، قد وضعتموه في ورطة، مفاوضات مضحكة، معروف سلفًا أنها ستصل إلى طريق مسدود، وأنها ستذهب بقضية المياه إلى التهلكة، تفويض شياطين الدوحة أو ذئاب الأناضول، أو حتى أبناء عمومتنا المزعومين بوضع حزام ناسف على خاصرة أعالي النيل لا يعني أمنًا على حدود أو أمرًا على أرض واقع، حصة الـ55 مليارمتر مكعب المصرية لن تضيع هباءً بعد أن أصبحت المياه أغلى من الدماء، وأنه لا أرانب وكيل «الأورومو» الجبلية ولا قطط حواريه السيامية يمكنها أن تخرج مجددًا من كُم بدلته الأنيقة.

«أبي أحمد» أو المبشر بالنهضة يعرض خصم 20 مليارمتر مكعب سنويًا من حصة مصر، هكذا وبكل بجاحة ومن دون استئذان، «الزعيم» الفيلسوف يرفض العرض المصري بتمديد زمن ملء السد الملعون من 3 سنوات إلى ما بين 5-7 سنوات كحل وسط، المصريون من جانبهم يرفضون «اللاعرض» من الفرقاء في المفاوضات، ينسحبون من على الطاولة، ويستعينون بصديق، ترامب كعادته يلتقط طرف الخيط، يتحدث عن القضية وكأنه لم يعلم بها، يطالب الجميع بضبط النفس، وإعادة الملف المشبوه إلى مربع الثرثرة الأول، مصر تتريث قبل الرد لكنها لا تُخفي استنجادها بالمؤسسات، بكل من يمكن أن يدلي بدلوه، اللجوء إلى مجلس الأمن، أو إلى التحكيم الدولي، أو حتى لمحكمة العدل الدولية، جميعها منظمات على المحك، وجميعها مؤسسات معتبرة وجميعها تساند الحق، لكن.. جميعها أيضًا لا يتمتع بنقاء السريرة، من خلالها ضاعت فلسطين، وعن طريقها تم تدمير العراق، وبوسائلها الملتوية يتم تقسيم سوريا على مرأى ومسمع من العالم «الحر»، نهر النيل لنا، غنت له نجاة الصغيرة عطشان يا أسمراني محبة، يا جاي من العلالي محبة، وغنى له عبدالحليم حافظ «يا تبر سايـل بين شطين»، وسبح فيه تماسيح النيل العظماء، وأقيمت فوق مياهه أول عروض مسرحية في التاريخ، احتفاءً بالوفاء وغزير العطاء، وبالجوار منه تم بناء أول عجيبة في الدنيا «أهرامات الجيزة».

 النيل بالنسبة لمصر ليس مياهًا للري أو للشرب أو للاستحمام أو حتى الاستجمام، إنه ذكريات محفورة في ضمير البشرية عندما تجلت عظمة الخالق، نافذة مفتوحة على شهيق الصباح الحلو حين تبصره عينٌ ساهرة أو أيادٍ صابرة أو شفاه داعية، أو رأس مرفوعة، رزق الصيادين البسطاء والفلاحين الأتقياء وعابر السبيل من كل مِلة وكل دين.

بالتأكيد إن الرجل الأثيوبي الغامض كان واضحًا وضوح الشمس، حتى بعد أن أقسم اليمين أمام العالم بأن سده المعجزة لن يضر بمصر، وأن كهرباءه «المباركة» لن تصعق «المؤمنين»، بل ستكون بردًا وسلامًا عليهم، ماءًا زُلالاً في أراضيهم، مسكًا وعنبر على «جثامينهم»، لكن لا القسم كان طاهرًا ولا اليمين كان يمينًا ولا شفاعة القرابين مازالت ممكنة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها