النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

علي سيّار.. الرمز والسيرة

رحيل آخر عمالقة الصحافة البحرينية

رابط مختصر
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440

قضى الأستاذ علي سيار رحمه الله، بعد سيرة حافلة بالعطاء الصحفي، والإبداع في فنون الكتابة المختلفة، بوصفه رائدًا من رواد الصحافة في البحرين وفي منطقة الخليج العربي، اقترنت سيرته الحافلة بمسيرة العمل الوطني، والعمل الصحافي طوال أكثر من نصف قرن من الزمان. 

رحل هذا المحارب الذي كان رأسماله قلمًا وحبرًا وورقًا (كما كان يقول). رحل من كان حالمًا كبيرًا، كأكثر أبناء جيله، معتقدا أن القلم لوحده والإرادة لوحدها يكفيان لإنشاء صحافة ولتغيير العالم المليء بالشرور. رحل من كان يعتبر الصحافة رسالة، ولغتها أدب رفيع، وسياجها المهنية والحرفنة. بعد أن تحولت الصحافة مع الزمن إلى (بزنس)، يحكمها منطق السوق والعرض والطلب والأهواء والتحالفات والمصالح. ولكن سيار ظل يقود مجلة صدى الأسبوع التي أسسها في 1969 واستوعبت جلّ تجربته الصحفية، بعقلية المقاتل الذي لا يلين. وربما عندما أدرك أن الزمن قد تغير، كانت الجرائد اليومية قد زحفت على الساحة الصحفية وهيمنت على السوق، وأصبحت صدى الأسبوع - كغيرها من الصحف والمجلات الأسبوعية - مجرد هامش صغير في الخارطة الجديدة. 

 

تكريم علي سيّار في ملتقي الزائد - جامعة البحرين

 

اليوم - وبعد أن غادرنا علي سيار جسدًا - تبقى روحه تظللنا ومدرسته حية برغم التحولات. وعندما أُقدم على ذكر هذا الرجل، تتداعى الذكريات التي جمعتني به على الصعيدين المهني والإنساني، وأقرّ بأن تلك الرحلة القصيرة التي جمعتني به، كانت من أفضل ما اكتسبت في تجربتي الصحفية والإعلامية. فقد كنت أحد تلاميذه، بل وأزعم أني كنت أحد المقرّبين منه، ولذلك حديثي عنه اليوم وهو غائب كما كان حديثي معه وهو حي، يصعب الفصل فيه بين ما هو ذاتي وبين ما هو موضوعي.

فقد بقيت في مدرسته الصحفية تسع سنوات متصلة، منذ نوفمبر 1987 وحتى يونيو 1996، رحلة تعلمت خلالها جل ما أعرفه في مهنة الصحافة، ومررت خلالها بجميع الأعمال الصحفية وبجميع المواقع، وصولاً إلى مهمة إدارة التحرير.

 

مع غازي القصيبي وإبراهيم العريض في بيت غازي - 1988م

 

كان أول لقاء لي بعلي سيار في بداية نوفمبر من العام 1987، وفي غرفة التحرير الوحيدة في مكتب صدى الأسبوع في شارع المعارض، بحضور كل من الصحفي المصري محمد علي إبراهيم (الذي أصبح بعد ذلك رئيس تحرير صحيفة الجمهورية المصرية)، والزميل الصديق الجميل الصحفي البحريني حافظ عبدالغفار (الذي كان آنذاك قائمًا بمهمة إدارة التحرير)، والمخرج الفني الصديق العزيز عبدالعزيز عبدالحميد. وكانت صدى الأسبوع في تلك اللحظة، وبسبب محدودية الإمكانات، محطة (ترانزيت) صحفية، معبرًا أو جسرًا للعابرين إلى عالم الصحافة، ولذلك لم يكن هنالك من يطيل المقام فيها، حيث يعاد باستمرار تشكيل فريق العمل بالزيادة والنقصان. ومنذ تلك اللحظة القدرية لم أغادر صدى الأسبوع إلا بعد تسع سنوات متصلة، وشكلت هذه التجربة نوعًا من الانتماء والرابط المهني والإنساني. كما أن العلاقة بيني وبين الأستاذ علي سيار اتخذت طابع الوفاء لهذا الرجل، بعد أن تخلى عنه الجميع، بعد انتشار الصحافة اليومية التي انتقل إليها جميع من تربى وتعلم في صدى الأسبوع، فأصبحت المجلة أشبه بالبيت الذي هجره أهله. 

 

جانب من الحوار مع الاستاذ علي سيار

 

لقد استمرت الرحلة في صدى الأسبوع حتى يونيو 1996، عندما واجهت المجلة أول صعوبات جدية وتحولت إلى «تابلويد»، وقتها خرجت طوعًا وأنا في غاية الحزن والأسى والانكسار؛ لأنني علمت أنها النهاية، ولكن مع ذلك استمرت صلتي بعلي سيار دون انقطاع وظللت أزوره في مكتبه كلما أمكن ذلك، استنطق ذاكرته. وبالفعل تمكنت خلال بضع سنوات من جمع أهم أعمال علي سيار في كتاب غطى مجمل تجربته في الكتابة بين 1969 و1996، وقد قامت بطباعته هيئة الثقافة آنذاك، وكان هذا الكتاب بعنوان (رحلة قلم - الأحلام والأوجاع)، وأتمنى أن تعاد طباعته؛ لأنه أفضل مرجع يلخص فنون الكتابة عند علي سيار، لتطّلع عليه الأجيال الجديدة من الصحفيين. كما تمكنت وبدعم من وزارة شؤون الإعلام من إصدار كتاب عن سيرة علي سيار الصحفية، صدر في العام 2014 بعنوان (البيت الذي هجره أهله)، حول قصة صعود وأفول الصحافة الأسبوعية في البحرين، من خلال سيرة علي سيار.

وباختصار، خلال هذه الرحلة، صارع علي سيار صادقًا أمواج التغيير والتحولات التي مست الصحافة البحرينية على نحو عميق. وظل علي سيار يصارع وحيدا. فعلى المستوى الموضوعي كان عصر الصحافة الأسبوعية في البحرين قد بدأ يجمع أوراقه ويغادر بعد أن تعددت الصحف اليومية.

 

مع الشاعر عبد الرحمن المعاودة في 1992

 

لقد كان نجاح صدى الأسبوع في البداية عائدًا إلى ما كان يسميه علي سيار وجود كتيبة من المغامرين الذين عملوا بها، وأعطوها من فكرهم وإبداعهم، حيث كانت المجلة، ولأكثر من عقدين من الزمن تكاد تكون منفردة في جرأتها وعنادها ومعاركها، إلا أنها لم تصمد طويلاً أمام المتغيرات والصعوبات، وقد فكر علي سيار أكثر من مرة خلال الفترة التي عشتها معه في المجلة في إيقافها، إلا أنه في كل مرة يهم بذلك تسطع في الأفق بوارق أملٍ تزيده إحساسًا بالثقة، فيعاود الكَرة مثل (سيزيف).

لقد كان علي سيار في لقاءاتي به يتساءل دومًا: هل تراني أخطأت طريقي عندما اخترت أن أكون صحفيًا وصاحب مجلة؟ وكان الجواب يتراوح بين (نعم) و(لا). وهو يعتمد على اللحظة التي يكون فيها علي سيار راضيا على أداء المجلة أو تلك التي يكون فيها غير راضٍ، فحين تكون (صدى الأسبوع) ساخنة بمواضيعها، عامرة بقرائها، غنية بإعلاناتها، كانت الإجابة: لا.. لم أخطئ الطريق. أما حين تكون (صدى الأسبوع) كالمركب الذي تكسرت سواريه وتمزقت أشرعته، فإن الجواب غالبًا ما كان: نعم لقد أخطأت الطريق. كما كانت (صدى الأسبوع) خلال مسيرتها أشبه بمحارب تزداد جراحه وآلامه كلما ازدادت المعارك سخونة، وازداد تكالب الظروف عليه، ومع ذلك بقيت على عنادها، تتحدى واقعها المرير فتسير خطوة إلى الأمام وخطوتين للوراء، تحاول ألا تختفي كما اختفت أخوات لها من قبل. ولكن ومن المحزن جدا أن ذلك الصمود انهار، فسقطت صدى الأسبوع سقطة غريبة، وغير مفهومة عندما تم بيع هذه المجلة في صفقة محزنة، كانت مقدمة لإعلان وفاتها بعد أن تم إصدارها بشكل مختلف لا ينسجم مع روح صدى الأسبوع الأم ولا مع تاريخها الصحفي.

واليوم ونحن نودع الأستاذ علي سيار، القامة والتاريخ والسيرة، أعتقد أن سلسلة مقالات علي سيار الأسبوعية (أشياء من أشياء) والتي كانت تؤمن لوحدها استمرار القيمة الصحفية والسياسية لمجلة صدى الأسبوع على مدارس ثلاثة عقود، وما تحمله من جرأة على صعيد التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي للبحرين، تستحق اليوم أن يعاد إصدارها في كتاب يحمل نفس الاسم (أشياء من أشياء)؛ ليكون مصدرًا غنيًا وثريًا ونموذجًا لفن الكتابة الصحفية الراقي في مواجهة الهزال العام الطاغي. ويكون ذلك أفضل تكريم لذكرى الأستاذ علي سيار، رحمه الله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها