النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11200 الأحد 8 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

جاذبية الأفكار الإنسانية 10/‏10

رابط مختصر
العدد 11141 الخميس 10 أكتوبر 2019 الموافق 11 صفر 1440

بعد دفن جثة جيفارا بطريقة درامية، لم تدفن أفكار وأحلام جيفارا معه للأبد، فقد تشربت الأفكار الثورية العالمية بجديد المشروع الجيفاري، فأصبح إضافة كتجربة ثورية الى الحركة الثورية العالمية، مما اقتضى إعادة تقييم ودراسة التجربة وأسباب إخفاقها.

غير أن الشبيبة في العالم اعتبرت جيفارا حلمها وملاذها وأيقونتها الجديدة، فتحولت صورة الثوري الى إنسان قدّيس، فبرزت الأغاني والملصقات قي الحانات وأروقة الجامعات، وبات تجار الفرص يقتنصون كل ما هو ممكن من صناعة تجتذب الشباب، فوجدنا القبّعات والفانيلات وماركة البيرة والاستكارات وغيرها من السلع التي ترمز لحضور القديس العالمي. ومنذ رحيل جيفارا (1967 لغاية انهيار الاتحاد السوفيتي 1991) وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، لم تنجز وتجذب كاريزما جديدة شبيبة العالم وطلابها، ولم تنجح بتغيير الصورة الحالمة عنه حتى وإن علقت بحركته وسلوكه وعناده بأخطاء فادحة، أثرت في تراجع المشاريع الثورية الواسعة وتراجع الأفكار اليسارية الجديدة، التي كانت مثار الجاذبية بين طلاب وشبيبة العالم وبرجوازيتها الصغيرة.

لم يستطع أحد استنساخ او إعادة إنتاج الجاذبية الجيفارية، فحدث إحباط في وسط الفكر الثوري الأسطوري عند غالبية الجيل الشاب، وقد تعمق هذا الإحباط بسقوط وتفكك الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، فتهاوت بشكل كبير تلك الأفكار الجذابة مع انهيار النموذج الأساسي والمثال القدوة لكل ثوار العالم، فتخلخلت وحدة الحركة الثورية مع تفكك الدومينو السوفيتي، وتلاشت بشكل كبير تلك الموجة الواسعة الدولية لجاذبية الأفكار الإنسانية العظمى بين الجيل الجديد، حيث ظل الجيل القديم والمخضرم يلوك أحلامه، مفتشا عن ما يمكن من خلاله استنهاض تلك الأفكار مجددًا بين المجتمعات التي تعولمت بشكل عميق في روحها واهتماماتها. وبدأ نقاش جديد يتلمس أسئلته حول مرحلة ما بعد انهيار الاشتراكية والاتحاد السوفيتي، هل من أمل هناك في إحياء التجارب المنهارة واستلهامها ولكن بصورة جديدة ومختلفة؟.

تموت الرموز والكاريزمات ولكن التاريخ يمنحنا وجوهًا أخرى، تختفي الطبقات في صيروتها التاريخية، ولكن هناك طبقات جديدة صاعدة تأخذ مكانها على مسرح التاريخ، تتراجع وتتجمد أفكار وقيم كانت تناسب القرون السالفة لتشق طريقها مؤسسة لما بعد القرن الواحد والعشرين، لزمن مجتمعات الذكاء الاصطناعي او كما كتب جيرمي ريفكن الأمريكي في كتابه «انتهاء عصر الوظيفة» مستشرفًا انتهاء الطبقة العاملة وضمورها نهائيا، حيث العالم في طريقه للنمو والازدهار والتكاثر. تختفي كل مرحلة قديمة داخل مرحلة جديدة تنويرية أعمق، ولكن قانون الصراع الاجتماعي لا يضمحل او يتلاشي نهائيا، فهناك تناقض وصراع بين العمل ورأس المال، حيث هذا التناقض يدفع لسوق العمل كل يوم لملايين الشباب نحو العطالة، ويتعمق التناقض بكل وحشية بين المجتمع، فيقذف في شوارع المدن وأقبية المترو والقطارات والعالم السفلي ببشر مشردين بلا مساكن، فتفرز الظواهر الجديدة قوانينها الموضوعية، لتستعيد الأفكار الطوباوية لما قبل ماركس وما بعده نفسها حول أسئلة المساواة والعدالة الاجتماعية والحرية الفعلية وحقوق الإنسان الحقيقية.

بين مسافة الثورة الفرنسية الدموية 1789 والثورات البيضاء 1998، تلونت وتمازجت وتصارعت الإنسانية، شعوبا وأنظمة، وطالما كانت هناك ملايين من البشر تعيش في بؤس مجحف، فإن الأفكار الجذابة الإنسانية وحدها من تنتشلها من وهدة اليأس وانسداد أفق الأمل الموعود. وما زالت الإنسانية حية، تنتعش مع موجات الربيع، تناقش الأحلام البديلة للبشرية القادمة ومجتمعات الحلم، الخالية من استغلال الإنسان للإنسان ومن أجل عدالة كاملة ومساواة فعلية في عالم الحرية والضرورة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا