النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11202 الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 الموافق 13 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الرايخ الألماني.. والبلاد العربية

رابط مختصر
العدد 11141 الخميس 10 أكتوبر 2019 الموافق 11 صفر 1440

كانت لألمانيا النازية رؤيتها لمصالحها المتوقعة في المشرق العربي، وهكذا إيطاليا الفاشية وربما حتى الطغمة العسكرية اليابانية وهي تزحف غرباً على آسيا والمحيط الهندي.

وكان مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، كما بينا في المقال السابق، يحاول إيهام الألمان والطليان بأنه في الواقع زعيم المشرق العربي القادم، وقائد الحركة القومية الوحدوية فيه، وربما «فوهرر العرب» الذي سيكون خير عون وأفضل جسر بين بغداد وبرلين.

ومن المستبعد بالطبع أن يكون الألمان والإيطاليون وغيرهم، قد اقتنعوا بمبالغاته السياسية ومزاعمه ونفوذ «حزبه الوحدوي» الواسع النفوذ، وهم، أي الألمان خاصة، من كانوا يعرفون وضع المفتي في العراق كلاجئ سياسي، ويدرسون الأقطار العربية منذ قرن وزيادة، ويتلقون بانتظام التقارير الدبلوماسية والسرية والصحافية عنها.

لكنهم على الأرجح وجدوا في المفتي الحسيني والسياسي العراقي رشيد عالي الكيلاني أوراقاً سياسية مفيدة ومتعاونين لابد من الاستفادة منهما في نشر النفوذ النازي.

قابل «أدولف هتلر» المفتي في 28 نوفمبر 1941 بحضور شخصيات ألمانية بارزة أخرى، وهما (فون ريبنتروبVon Ribbentrop) مستشار هتلر الموثوق وسفيره في لندن، و«فريتس غروبا» وزير ألمانيا المفوض في بغداد.

لم يكن هلتر جاهلا بقوة النفوذ البريطاني في المنطقة العربية، وفي حين كانت ثورة فلسطين مشتعلة عام 1936 كان هتلر يغازل بريطانيا، سعياً إلى كسب ودها ورضاها عن تنفيذ مخططاته في أوروبا.

«وكان هتلر يدرك مدى حساسية بريطانيا في كل ما يتعلق بالوضع في حوض البحر المتوسط، كما كان يعتقد أن تقديم أي عون مادي أو معنوي لعرب فلسطين سوف يؤدي إلى توتر في العلاقات الألمانية- البريطانية».

(العلاقات الألمانية - الفلسطينية، د. علي محافظة، ص 231).

كان مطلب المفتي من الألمان إصدار بيان يؤيد المطالب العربية، وكان ثمة خلاف بين الألمان والإيطاليين حول تفاصيله بسبب مطامع إيطاليا في شمال إفريقيا.

بدأ هتلر حديثه بالتنديد باليهود الذين اعتبرهم المهيمنين على الدول الحليفة والموجهين لسياسات الحلفاء، وأكد أن هدفه تحطيم الشيوعية واليهودية وإخراج الإنكليز من الشرق الأوسط، وقال للمفتي «إن كَسْبَنا الحرب هو وحده الذي سيؤذن بدق ساعة التحرير التي هي أيضاً تحقيق أماني العرب»، وقلل هتلر من أهمية البيان المطلوب، قائلاً: «إن مجرد وعد لن تكون له أية قيمة، ولن تكون ثمة قيمة حقيقية إلا لليقين الذي يعتمد على القوات المسلحة المنتصرة».

وكان «المفتي» قد بدأ حديثه أمام هلتر بالإشادة بالزعيم الألماني، وبثقة البلاد العربية بانتصار ألمانيا، وأكد أن العرب والألمان حلفاء طبيعيون لأنهم يحاربون أعداء مشتركين هم بريطانيا واليهود والبلاشفة- أي الاتحاد السوفياتي، وأنهم على استعداد للتعاون مع ألمانيا ضد بريطانيا وتكوين فرق مسلحة تحارب إلى جانب قوات المحور، الألمان والإيطاليين والآخرين.

وأكد هتلر للمفتي أن الحرب التي شنتها ألمانيا ضد اليهود تستهدف القضاء على العنصر اليهودي في البلاد العربية، ووعده بإصدار تصريح حول مستقبل البلاد العربية حين تصل القوات الألمانية الى جنوبي القفقاس، أي شمالي إيران وتركيا. وهذا، في رأي هتلر، «يستلزم بضعة شهور فقط» ودغدغ هتلر تطلعات المفتي أمين الحسيني في الرئاسة والزعامة، وطمأن المفتي بأن الوقت سيحين لذلك، وسيكون للمفتي، كما وعده هتلر، «الرأي الحاسم في الشؤون العربية باعتباره ذا السلطة المطلقة في التحدث باسم العرب وزعيماً لهم».

(محافظة، ص253).

أبدى الألمان مزيدا من الاهتمام بالقضية العربية، فشكلوا لجنة في وزارة الخارجية لمتابعتها، مهمتها «وضع الترتيبات السياسية للزحف الألماني في المنطقة العربية وتنفيذ تعليمات وزارة الخارجية بعد احتلال الأقطار العربية».

وكان ضمن مقترحات اللجنة في فبراير 1942، «أن تتشكل حكومة عراقية برئاسة»رشيد عالي الكيلاني«وحكومة سورية برئاسة»المفتي«أو أحد أعوانه بعد احتلال القوات الألمانية لمدينة تفليس- جنوبي القفقاس- وأن تعترف الحكومة الألمانية بهما، وأن يبدأ تنظيم الجيش العربي، حين دخول القوات الألمانية للبلاد العربية، من ثلاث فرق عراقية، وفرقة سورية، وفرقة فلسطينية- شرق أردنية».

كان هذا هيكل القوة العسكرية التي سيبدأ بها النظام العربي الخاضع لألمانيا الهتلرية ودول المحور، أما مقترحات اللجنة الألمانية بشأن تنظيم البلاد العربية فهي سبع نقاط:

«1- بقاء العراق والسعودية واليمن ومصر دولا مستقلة.

2- توحيد سورية ولبنان وفلسطين وشرق الأردن في دولة سورية الكبرى.

3- قيام اتحاد فدرالي بين العراق وسورية.

4- قيام رابطة تعاقدية بين كل هذه الدول العربية.

5- الإطاحة بالحكم الهاشمي في العراق وشرق الأردن وضم معان والعقبة إلى العربية السعودية، وضم عمان وساحل الجزيرة وحضرموت والبحرين إليها أيضا.

6- تعطى إيطاليا الأولوية السياسية في هذه الأقطار وتعطى ألمانيا الأولوية العسكرية، ولا يجوز لإيطاليا أن تمارس أي نشاط سياسي في هذه الأقطار بدون موافقة ألمانيا.

7- تشارك اليابان في المسألة العربية بعد أن يتم الاتفاق معها على المسألة الهندية».

(د. محافظة، ص254)

وصل رشيد عالي الكيلاني إلى برلين في نهاية نوفمبر 1941، وبدأ تعاون المفتي والكيلاني لاستصدار التصريح المطلوب من دول المحور، وسافر الزعيمان إلى روما، وقابلا هناك ملك إيطاليا، كما نجحا في إقناع «موسوليني»، وبالفعل صدر التصريح المنتظر يوم 25 أبريل 1942.

وجاء في رسالة«فون ريبنتروب» مستشار هتلر الموثوق كما ذكرنا وسفيره في لندن، الموجهة إلى المفتي كل أو جل ما كان يرضيه: «إن الحكومة الألمانية تقدر كل التقدير ثقة الأمة العربية في دول المحور وأهدافها واستعدادها للمشاركة في الكفاح ضد العدو المشترك حتى يتم النصر النهائي. كما أنها تدرك تماما ما أوضحتموه من الأهداف القومية للأقطار العربية في الشرق الأدنى التي تقاسي الآلام تحت نير الاضطهاد البريطاني في الوقت الحاضر، ولذا فإني أتشرف بأن أؤكد لكم، باتفاق تام مع الحكومة الإيطالية، أن استقلال وحرية البلاد العربية المضطهدة الآن تحت الحكم البريطاني، هما هدف من أهداف الحكومة الألمانية، وبناء على ذلك فإن ألمانيا مستعدة لتقديم كل ما تستطيعه من مساعدات للأقطار العربية في الشرق الأدنى الرازحة الآن تحت نير الاضطهاد البريطاني، وأن تعترف بسيادتها واستقلالها، وتوافق على وحدتها إذا كان مرغوبا فيها ممن يعنيهم الأمر، وعلى القضاء على الوطن القومي اليهودي في فلسطين».

(د. محافظة، ص254-255)

وبعد استيلاء القوات الألمانية بقيادة «رومل» على طبرق في ليبيا في يونيو 1842 أصبح الطريق إلى مصر مفتوحاً ومع وصول قوات ألمانيا وإيطاليا إلى الحدود المصرية أصدرت الحكومتان بيانا وعدتا فيه شعب مصر بالحرية والاستقلال.

أما المفتي فكان أقل صبراً، حيث أصدر في اليوم السابق، 6 يوليو 1942 نداء موجهاً إلى الشعب المصري جاء فيه: «إن الأمة العربية التي شاطرت المحور في تحمل مظالم فرساي والتي تمتعت بإعجاب المحور أثناء جهادها في سبيل حريتها ترى في جنود المحور المتقدمين اليوم في مصر حلفاء يساندونها على تحطيم قيودها والتخلص من خصومها. وإني لواثق من أن مصر وسائر البلاد العربية في الشرق الأدنى واصلة إلى أهدافها وما ترمي إليه من سيادة صحيحة واستقلال». (د. محافظة، 256).

وظل المفتي الحسيني وفياً للألمان والإيطاليين حتى بعد انتصار القوات البريطانية على الألمان في «العلمين» وتراجع قواتها، ونزول القوات الأميركية والبريطانية على الشواطئ المغربية، فقدم لقيادة الجيش الألماني عددا من المقترحات لدعم موقف دول المحور ضد الحلفاء!

غادر المفتي روما إلى برلين وقدم مذكرة إلى قيادة الجيش الألماني تحتوي على عدد من المقترحات للاستفادة من عرب المغرب العربي لصالح المحور، ومنها تحريك القبائل العربية في المغرب للثورة على الحلفاء واحتلال تونس وتجنيد المغاربة المقيمين في تونس، كما اقترح المفتي أن تصدر دول المحور تصريحاً علنياً بالاعتراف بحرية واستقلال دول شمال إفريقيا.

وقد لقيت هذه المقترحات قبولاً من جانب العسكريين الألمان، ثم نُقلت إلى هتلر في مركز قيادته، ويقول د. محافظة: «درس كبار المسؤولين الألمان هذه المقترحات من خلال التزاماتهم نحو حلفائهم فرفضوها، لأن الوعد باستقلال أقطار المغرب العربي يتناقض ووعود هتلر للماريشال بيتان Petain رئيس الدولة الفرنسية، ويتناقض أيضا والوعود المقطوعة للحليفة إيطاليا باعتبار تونس من مناطق مجالها الحيوي. كما يمكن لهذا الوعد أو التصريح أن يحدث آثاراً سلبية لدى الإسبان، وقرر هتلر في نهاية الأمر عدم الاستجابة لمقترحات المفتي». (ص257)

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا