النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

... إيران بره بره

رابط مختصر
العدد 11140 الأربعاء 9 أكتوبر 2019 الموافق 10 صفر 1440

 ما يحدث في العراق منذ ثلاثاء الأسبوع الماضي تأخر كثيراً، وقد كان ينبغي له أن يحدث قبل أن تتمكن الأحزاب الطائفية من تهميش المواطن العراقي وزرع الفتنة بين مكونات المجتمع. فواقع الحال المستمر منذ عام 2003 ما كان ليشي بشيء من الأمن والاستقرار. كان واقعاً ملتبساً يمور بإرهاصات رافضة لما تؤسس له الأحزاب السياسية الطائفية. فالفساد منذ العام 2003 بدا سلوكاً لنظام المحاصصة الطائفية منذ اليوم الأول. من يتصور، إذا صدقت التقارير، أن نوري المالكي، رئيس وزراء الصدفة الذي حاول بأقصى ما يمكن من إمكانات الدولة لإرساء الكراهية عاملاً مشتركاً بين مكونات الشعب العراقي، يستأثر بأكثر من أربعة مليارات دولار، في الوقت الذي يرزح فيه المواطن تحت طائلة العوز والفقر؟!

 أما التمييز بين الأعراق والمذاهب في المجتمع العراقي فحالة تأصلت منذ أنّ قرر نظام المحاصصة الطائفية أن يأتمر بكل ما يأمر به رجال الدين في إيران. ورجال الدين هؤلاء الموجوعون من حرب الثماني سنوات التي تجرعوا فيها السم يضغنون ما يكفي من الكراهية للعراقيين، ولذلك لم يتوانوا أبداً في إلحاق الأذى بهم من خلال المنتمين إلى «الحشد الشعبي». الفساد والتمييز الطائفي مسؤولان عن كل البلاوي التي يئن تحت وطئها المجتمع العراقي. وتغول الأحزاب الدينية في الحياة السياسية ساهم في مسخ المجتمع العراقي وهمّش مؤسسات المجتمع المدني وهيئاته، بل أفرغ مؤسسات الدولة من محتواها ونهشها نهشاً يجعلها تتهاوى أمام كل الهزات، وأفقد ثقة الناس بها حتى باتوا يتشبثون بأي قشة نجاة تمد إليهم للخلاص من نظام فاسد أفسد البلاد والعباد.

 ومهما بذلت السلطات في العراق من جهود لفرض الأمن الغائب عن هذا البلد منذ العام 2003 فإن ذلك لن يكون في استطاعتها، وهبّ أن ذلك تسنى لها فإنه سيكون مؤقتاً وسرعان ما سيعود الوضع إلى التدهور؛ ذلك أن بنية الأمن ومتطلبات الحفاظ عليه مفقودة.. وفاقد الشيء لا يعطيه. ومن وجهة نظري، فإني أعتقد أن الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق لن تتحسن إلا بالعمل على وقف تدخل إيران في الشأن الداخلي للمجتمع العراقي، وهذا لن يأتي إلا بالإرادة الشعبية، فالتعويل على الأحزاب الطائفية بات منعدماً. ولن يتراجع الفساد الذي يضرب بأطنابه في العراق إلا بإجماع العراقيين على طرد قاسم سليماني وتصفية ميليشيات «الحشد الشعبي»، الذراع الإيرانية في العراق، وأن توازن الدولة ومؤسساتها لن يعود إلا بهبة شعبية حقيقية تحضر كل الأحزاب المبنية على أساس مذهبي ديني وتلاحق من استكرشوا من المال العام العراقي منذ تسلموا مقاليد إدارة الحكم بمحاصصات طائفية هي إلى الصفقات القذرة أقرب. أما إذا حصل خلاف ذلك فسيبقى العراق مرتهناً لرجال الدين في قم، حبيساً للأطر المصطنعة التي بنتها الأحزاب السياسية التي أنشئت على أسس مذهبية، واتخذت من ولاية الفقيه عقيدة لها.

 من أصدق الشعارات التي هتف بها المحتجون العراقيون منذ اليوم الأول، إلى جانب الشعارات المنددة بالفساد والفاسدين والمطالبة بتوفير فرص عمل وتوفير الخدمات، شعار «العراق حره حره.. إيران بره بره». محق الشعب العراقي في مطالبته بخروج الإيرانيين من الأراضي العراقية؛ لأنهم، ومن دون التعمق في نبش التاريخ القديم، وتقليب صفحاته الجديدة، أصل الداء ومنبت كل الشرور التي تعصف بالمجتمع العراقي. التغول الإيراني في السياسة العراقية له مسببات وأهم هذه الأسباب هو ارتهان الأحزاب الدينية للمرجعيات الدينية الإيرانية، وإيمان أغلب هذه الأحزاب بنظرية ولاية الفقيه إيمانا قدم مصلحة العقيدة والمذهب على مصلحة الوطن.

 ولسائل أن يسأل: أَمِن السهل أن تقود هذه الاحتجاجات إلى خروج الإيراني من العراق؟ طبعاً لا، ولكن ذلك غير مستحيل، فالشرارة انطلقت وبقي على الشباب النفخ فيها لتصبح حريقاً يلتهم إيران وأعوانها في العراق. ولجدية الاحتجاجات العفوية للشباب العراقي والتي فاجأت الأحزاب والمرجعيات الدينية، فإن هناك حديثاً عن تدخل الحرس الثوري الإيراني و«حزب الله» اللبناني – الإيراني في محاولة للسيطرة على الأوضاع وقمع المتظاهرين، ما يُذكر بالحالة السورية المستمرة منذ ثماني سنوات. كل الأحزاب الطائفية تلوذ بالصمت المريب، صمت الخزي والعار، والذل والمهانة، إذ من المرجح أن تكون هذه الأحزاب أو بعضها هي من طلب من الحرس الثوري الإيراني ومن حزب الله التدخل حماية لبطون لم تشبع من نهب ثروات العراق وإذلال الشعب العراقي.

 الحالة العراقية مثال حي على كل بلد يفقد سيادته بالارتهان لنظام ولاية الفقيه، وعلى كل بلد دخله الإسلام السياسي فعبث به وهتك معالم قوته وعبث بأسس مدنيته وأفقده استقلالية القرار السياسي وسيادية القرار الأمني ليمكن بذلك للفاسدين والعملاء الذين لا يشبعون أبدا حتى تنهار الدولة وتسقط. الهبة الشعبية العفوية التي يشهدها الشارع العراقي اليوم تعبير صارخ عن فقدان المواطنين الأمل في إصلاح الأوضاع عبر الآليات الديمقراطية المعهودة، أي عبر الانتخابات؛ لأنهم أدركوا أن نتائج الانتخابات محسومة سلفاً لمنطق المذهب والنحلة والعرق، وأن استعادة العراقيين عراقهم لن تتم من دون كنس المتحكمين في المشهد السياسي العراقي اليوم كنساً قد تكون له -لو تمّ- تداعياته على المشهد السياسي في الداخل الإيراني؛ لأنه ببساطة سيحطم هالة القداسة والقوة المزعومة التي يسوس بها الباسيج وقاسم سليماني وملالي قم الناس في طهران وبغداد مروراً بالنجف الأشرف وكربلاء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها