النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

(التحالف التركي الإيراني القطري) ودوره في تمزيق الدول العربية (2)

رابط مختصر
العدد 11139 الثلاثاء 8 أكتوبر 2019 الموافق 9 صفر 1440

استكمالاً لمقال الأسبوع الماضي الذي تناول تاريخ الواقع السياسي المؤسف الذي تعيشه الأمة العربية بسبب عودة الاستعمار إليها بثوبٍ جديد، وبيَّن كيف وظَّف (التحالف التركي الإيراني القطري) التقارب مع جماعة الإخوان المسلمين لتنفيذ هدفه الاستراتيجي من تدمير الأنظمة العربية الحاكمة والمستقرة بقيام نظام عربي تعدّدي على الطريقة الإخوانية التركية، فإن لمّ شتات الصف العربي وترميم البيت العربي من الداخل لحماية الأمة ومصالحها الآنية والمستقبلية أصبح أمراً مصيرياً لا يقبل التردّد.

فالوطن العربي يمرّ بأسوأ مراحل تاريخه على الإطلاق، ويواجه تهديدات لا منتهية وتحديات جسيمة، لما يعانيه من ظروف سياسية وأمنية بالغة الخطورة وانقسامات حادة بين دوله بسبب تراكم تبعات الأحداث الجسام التي شهدها في العقود الأخيرة، ابتداءً من تداعيات الثورة الإيرانية التي اندلعت في (1979م)، والحرب العراقية الإيرانية التي اشتعلت في (سبتمبر 1980م)، والغزو العراقي على الكويت عام (1990م) والذي يُعَدّ السبب المباشر وراء الانقسام العربي والقضاء نهائياً على الأمة العربية وتطلعاتها في إقامة (الوحدة العربية الكبرى) أو الوحدة من خلال ما اتفقت عليه بعض الدول العربية في إقامة اتحادات أو مجالس كالاتحاد المغاربي واتحاد الدول العربية ومجلس التعاون، ثم الغزو الأمريكي على العراق (2003م) الذي قدَّم العراق على طبق من ذهب لإيران لتعيث في المنطقة فساداً انطلاقاً من الأراضي العراقية، وليس انتهاءً بأحداث ما يسمى بـ (الربيع العربي) الذي انطلقت شرارته في نهايات عام (2010م) وحوَّلت آثاره الكارثية (الربيع) إلى (خريف) انعدم فيه الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي وهزَّ كيانه بالأزمات السياسية المتلاحقة ليعيش حالة من الفوضى والانقسام وتعاني دوله من تشرذم وانقسام ليس معلوماً نهايته!

إن ما يمثِّل واقع تفكّك العرب هو حال (جامعة الدول العربية) التي تعكس الصورة الحقيقية للنظام العربي منذ إنشائها وإقرار نظامها الأساسي في (22 مارس 1945م) بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا الواقع المؤلم يتطلَّب معالجة فورية وجادّة لبناء تضامن عربي جديد على أُسس ومعطيات جديدة تؤكد قدرة الأمة العربية على إدارة أزماتها وإيجاد الحلول السياسية لها وتعزيز مصالحها وحماية سيادتها الوطنية ورصّ صفوفها أمام التهديدات والأخطار المحدقة بها من كل جانب.

وهذا الأمر لن يتمّ إلا من خلال البدء في عملية تغيير جذرية وعمليات تجديد واسعة في العمل العربي المشترك، بإعادة دور (جامعة الدول العربية) السياسي والاقتصادي لتعزيز الوحدة والتضامن العربي الذي بواسطته وحده يستطيع العرب الوقوف أمام كل التهديدات والمخاطر الخارجية ومواجهة الأهداف الرامية لإضعافهم وخَلق واقع وفكر إقليمي جديد يقبل بوجود (إسرائيل).

فتلك الأهداف الخبيثة لها من الأدلة الكثير، علَّ أبرزها وجود عدة مبادرات لتحقيق السلام في المنطقة بين العرب وإسرائيل لا دور يُذكر لجامعة الدول العربية فيها، وآخرها ما يسمَّى بـ(صفقة القرن) التي هي في الواقع إعادة صياغة للأفكار والمبادئ والآمال التي استقرَّت في المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي لفتح الطريق لاستيعاب إسرائيل في المنطقة العربية كدولة معترف بها.

وما شجَّع القوى العالمية الكبرى على تنفيذ خططها تلك بكل سلاسة وهدوء ودون مواجهة هو الضعف العربي وما آلت عليه الأوضاع في الدول العربية، خصوصاً بعد انهيار مشروع الوحدة العربية والتعاون والعمل العربي المشترك بعد القمة العربية الطارئة التي عُقدت في القاهرة في (10 أغسطس 1990م) لبحث الغزو العراقي على الكويت، والأزمة التي تعصف بمجلس التعاون الذي كان يُعتبر التجربة الوحدوية العربية الوحيدة الناجحة على امتداد الوطن العربي على مدى (38) عامًا، حيث أوصلت الأزمة القطرية التي تفجَّرت في (يونيو 2017م) حال العرب إلى أسوأ مراحل التردّي والتمزق والتشرذم والضياع، فانتقلت العلاقات الخليجية الأخوية من مرحلة الخلاف المستتر بالابتسامات والمجاملات إلى مرحلة القطيعة المكشوفة، وهو الأمر الذي كان بعيداً كل البعد عن التصوّر والخيال، وتوالت الأحداث المؤسفة حتى خاب الأمل في تحقيق حلم (الاتحاد الخليجي) الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه ليقف بحزم وقوة أمام كافة التهديدات والأخطار التي تواجه دول الخليج بعد تداعيات الربيع العربي وما سبَّبه من دم ودمار وانهيار كامل لعدد من الأنظمة العربية.

وفي ظل هذا الواقع المرير الذي يعيشه الوطن العربي، كيف يمكن تصوّر مستقبل العرب أصحاب الحضارة العريقة ومنبعها الذي انتشرت منه إلى مختلف بقاع العالم؟ وكيف تعيد الأمة العربية أمجادها وتاريخها وتحرِّر نفسها من العقدة الأمريكية؟

إن الأساس الصلب الذي سيعزِّز مكانة العرب، ويعيد دورهم وتأثيرهم ويقف أمام التدخلات الأجنبية في شؤونهم الداخلية، ويسهم في الارتقاء بالأمة العربية في المحافل الدولية، ويبرز دورها الدولي والإقليمي يتأتَّى بتنفيذ الخطوات الآتية:

أولاً: فض النزاعات (العربية العربية) وإزالة أسبابها بالوسائل السلمية، وذلك بإنهاء الخلافات الحدودية على طريقة الاتحاد الإفريقي الذي ألغى كافة الحدود الموروثة من حقبة الاستعمار الأوروبي. 

ثانياً: تعزيز السيادة العربية والحرص على أمنها واستقرارها واستقلالها بكافة الوسائل والطرق، والعمل على ترسيخ المواطنة العربية، والرفع من شأن الإنسان العربي واحترام وحفظ كرامته. 

ثالثاً: حفظ الأمن القومي العربي من خلال تحقيق التكامل السياسي والاقتصادي وتدعيم آليات العمل العربي المشترك.

رابعاً: دفع عملية التنمية المستدامة في الدول العربية بالتخطيط العملي الجاد، بغية رفع مستوى معيشة المواطن العربي والارتقاء بالخدمات الاقتصادية والاجتماعية وصولاً للتكامل الاقتصادي العربي.

خامساً: دعم الممارسة الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وتعزيز الحريات الأساسية، وبسط لغة القانون واستقلال القضاء ومحاربة الفساد وتشجيع نشاط مؤسسات المجتمع المدني. 

سادساً: إقامة علاقات متميزة مع دول الجوار الإقليمي، أساسها احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وذلك في إطار استراتيجية عربية متفق عليها لخدمة المصالح المشتركة. 

سابعاً: توحيد الخطاب السياسي العربي حيال القضايا الدولية والإقليمية؛ بما يكفل تحقيق المصالح العربية، وتدعيم مكانة الأمة العربية على الساحة الدولية.

ثامناً: الحرص على تعزيز السلم والأمن على المستويين الإقليمي والدولي بتطوير آليات العمل العربي المشترك للتعامل مع التحديات القائمة والمستجدات المستقبلية على كافة المستويات.

تاسعاً: فتح قنوات الاتصال بالحضارات والأديان والثقافات الأخرى وقبول الآخر وتشجيع الحوار الجاد معها، بما يساعد على توسيع علاقات التعاون التي تخدم مصالح الأطراف. 

وكل تلك الخطوات الهامة لإعادة الحياة إلى الأمة العربية وتفعيل دورها يتطلَّب الآتي:

• إعادة النظر في النظام الأساسي لجامعة الدول العربية الذي تمّ إقراره في أربعينيات القرن الماضي لإيجاد آليات جادة ومرنة للتنفيذ، بحيث يتمّ تحديث النظام الأساسي بما يتناسب وتحديات المرحلة الحالية وتداعيات الأحداث التي تعيشها المنطقة.

• تحديد الإجراءات والآليات التي تمنح جامعة الدول العربية كافة الصلاحيات التي تمكّنها من تنفيذ قراراتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بما يحقّق التماسك بين الدول العربية ووحدتها القومية، ويفرض احترام سيادتها واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

• تطوير المناهج الدراسية وأنظمة التعليم التقليدي والتعليم الديني بشكل خاص، وتقوية مقومات المجتمعات العربية والإسلامية بإقرار خطة عمل لدعم الفكر الإسلامي المعتدل، وتحصين الشباب العربي وحمايته من الفكر الديني السياسي المتطرف والأيديولوجيات السلفية، وإسكات الأصوات الداعية للكراهية، وتنقية تلك المناهج من أي معلومات خارجة عن سماحة الإسلام ومبادئه؛ بهدف القضاء على جميع الظروف والعوامل التي تساعد على نمو الإرهاب.

• بذل المزيد من الجهود لتزكية الروح الوطنية والاعتدال والوسطية، وتعزيز قيم المحبة والتسامح وإشاعة ثقافة العيش المشترك وقبول الآخر.

• القضاء على الفساد ودعم البرامج الثقافية والترفيهية وإصلاح الفكر التنموي والاداري الذي يصبّ في مصلحة الإنسان العربي ويرفع مستواه المعيشي.

ان استمرار (جامعة الدول العربية) وإعادة بنائها من جديد، من شأنه تعزيز المصالح العربية، ومنح الدول العربية قوة للتفاوض في القضايا الدولية والإقليمية، كما أن مشاركتها في التسويات الإقليمية خاصة عملية السلام مع إسرائيل، والخلافات مع إيران، يُشكل سدَّاً منيعاً أمام تدخلات قوى الجوار الإقليمي والحَدّ من أطماعها وتهديداتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها