النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11316 الخميس 2 ابريل 2020 الموافق 9 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:55PM
  • العشاء
    7:25PM

كتاب الايام

من ثقب إبرة

رابط مختصر
العدد 11138 الإثنين 7 أكتوبر 2019 الموافق 8 صفر 1440

كأنها ثقبٌ في قلب إبرة، أو عدسة في غور جبل، تلك التي أخطأت الجموع، ولم تخطئ همس البراري في النجوع، هي التي لم تدرك مئات الآلاف عند «المنصة»، لكنها أدركت دبة النملة في الصعيد البعيد.

هكذا كانت «مونت كارلو» الفرنسية في «منتهى الدقة والموضوعية»، وهي تقدم للمستمعين نشرة أخبار الظهيرة، ترى بعين، وتسمع بأذن وتتحدث بنصف لسان.

هكذا وصفها متابعون، وهكذا نعتوها بالمنحازة لحد الجنون، لماذا ترى الرفض ولا تبصر القبول، تكره الوضوح وتعشق اللا معقول، هل هي عقدة الطوفان المؤجل عندما تتجلى مبكرًا في النفس الأمارة بالسوء؟ أم أنها الإعلام الذي يقدم عضة الإنسان للكلب، على عضة الكلب للإنسان؟ قد يكون للمهنة أصولها، لكن للحياد الإيجابي أو حتى السلبي منه رونقه، وفصاحته، وسماحة طلته، قد يكون للموضوعية ثقل دمها، لكن لشفافيتها وضميرها الحي ثقل وزنها، ودماثة خلقها، وعفيف منظرها.

إنه الصراع الأبدي بين المهنة عندما تشيطن أصحابها، أو يشيطنها أصحابها، والمعلومة المجردة حين تنقلها عفة اللسان، ويقظة الضمير، وحسن السير والسلوك.

في جميع الأحوال يعتمد المشيطنون للمعلومة، على حسابات الأفلاك والأجرام السماوية، بل وعلى ما يتم تداوله في «السوشيال ميديا» وبعض القنوات الفضائية، الجمعة قبل الماضية احتدم الاحتدام على أدوات التواصل الاجتماعي، الحالة كانت مصرية خالصة، وأطرافها لم يكونوا بالضرورة خالصين مُخلصين، الاحتجاج الوهمي أو هكذا يمكن التقول عليه، قد بلغ ذروته على الفضاء الرقمي، في حين أنه لم يبلغ أقل من مداه في الشارع المقسوم، والمقهى المهموم، المؤيدون للرئيس الشرعي للبلاد أكثر عدة وعتادًا وإيمانًا برئيس اللحظة، والمارقون عبر «وسائل التواصل» يُسَخرون دمامتهم ويستنفرون مرادهم ولا يرمون بغير رام.

ديمقراطية ألف باء حرية تقول: إن للأغلبية الحق في الاختيار وفرض الأمر الواقع، في حين تسعى الأقلية إلى الاستحواذ على هذا الحق وليكن ما يكون.

في علم البلطجة السياسية أمثالًا متكررة عبر التاريخ، بعضها ذهب أدراج الرياح، وبعضها ووريَ الثرى، رغم ذلك يظل العناد الأبدي بين من يملك حرية اتخاذ القرار وسلطان تنفيذه وبين من لا يملك سوى آذان عابرة و فضائيات ساخرة و نصف عين مُدعية، أولئك أو هؤلاء امتلكوا حق الرهان على جدلية العقول والثرثرة على الصفحات المشبوهة، والعناق في الفضاء الخالي من الدسم.

الفيصل والمحك بين الشريعتين هي القدرة على ترويض أدوات المهنة، أدوات المهنة ذاتها، بل بين الذين يستخدمون هذه الأدوات في الأساس، من يستطيع أن يمسك بالقلم أو يتحدث على الهواء مباشرة، أو يلتقط فقاعة في محيط ثم يأتي ويلقي الضوء عليها بكثافة أهل العلم وكياسة أهل الخبرة، هنا يمكن إحداث التأثير في الآخر، وهنا يمكن اعتبار النوادر العاجزة عادات مستقرة، والقناعات الطارئة ثبات أزلي على مبدأ.

نحن نعلم أن مصر فوق بركان تمامًا مثلما هي وحدها أمام وخلف التحدي، البعض متربص بها، والبعض الآخر بمياهها من الجنوب البعيد حتى الشمال السعيد، ونحن نعلم أن فصيل سياسي بعينه يرفع راية العفة والطهارة مستخدمًا شراع العقيدة ومشهرًا إياها في وجه حاكم مؤمن بقضايا عروبته، ومدافع عن أولوياتها المعلنة، في حين أن الآخر غير المنتمي إلا لجماعة محسوبة تاريخيًا على فقه الشعائر المتضاربة، فإنها تستخدم الدين للحصول على مكاسب سياسية، أو العكس، لكن الذين يؤمنون بأن الدين لله والوطن للجميع، وحدهم القادرون على بلوغ الصدى بعد صوت، والنور بعد عتمة، والتجسد بعد إحساس.

هنا تكمن الفائدة من إعلام يعجبنا فنؤمن به ونصدقه، وآخر لا يعجبنا فلا تطربنا برامجه ولا نصدقه.

المواطن المتمسك بوعيه الجمعي يفضل المعلومة ويقدمها ربما على الصوت المكتوم، على العواطف الجياشة، والمشهد الشجي، لكن للمعذبين في الأرض التراث ذاته الذي توارثوه من المدللين على فضائيات قليلة الحيلة، على إذاعات تنقل من بعضها، ولا تحترم العاشق الولهان، المتواجدون على منصات التواصل الاجتماعي بكثافة الحالمين، «مونت كارلو» الدولية أو الجزيرة «الجهنمية» أو بي بي سي الموصوفة بالتسلل والموضوعية، جميعها تقدم إلى المشاهد أو المستمع وجبة مشكوكًا في صلاحيتها، مذمومًا في صحتها، ومطعونًا في «نزاهتها»، وجبة لم تكن لذيذة للحد الذي يجعلنا نضحي بوعي على المحك، وآخر محل شك.

ثقب إبرة أو هكذا كانت، كاميرا «نصف الحقيقة»، وهي تبحث عن نصف حقيقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها