النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11203 الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

البنك يربح والتاجر يخسر!

رابط مختصر
العدد 11136 السبت 5 أكتوبر 2019 الموافق 6 صفر 1440

من دواعي السرور أن تسجل معظم البنوك البحرينية معدل أرباح سنوي يتراوح بين 10 و15 بالمائة، لكن هذه الأرباح مهددة بالتراجع في حال لم تخفف المصارف من القيود التي تفرضها على تقديم القروض للشركات والأفراد.

نحن نفهم تمامًا المخاوف والتحديات لدى البنوك، وحرصها على الالتزام الكامل بكل القوانين والمعايير الصارمة التي فُرِضت في البحرين والعالم بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008، ومن بينها معايير (بازل 3) التي تفرض على كل مصرف تجميد جزء كبير من سيولته، كما نفهم تخوف المصارف من شبح أزمة أخرى تلوح في الأفق نتيجة الحرب التجارية بين واشطن وبكين، وارتفاع حجم الديون السيادية عالميًا إلى مستوى غير مسبوق، وازدياد حاجة الجميع؛ حكومات وشركات وأفرادًا للسيولة المالية.

لكن بالمقابل يجب أن يدرك القطاع المصرفي أن مواصلة تحقيقه معدلات أرباح عالية نسبيًا يعتمد بشكل أساسي على الحركة والتوسع في باقي القطاعات، في تجارة التجزئة والعقارات والتعليم وغيرها. إنها علاقة تبادلية، ولا يمكن لطرف مواصلة الربح عامًا بعد عامًا إذا كان الطرف الآخر يخسر عامًا بعد عام.

اعتقد أنه آن الأوان لإجراء مراجعة شاملة للعلاقة بين البنك والتاجر، ولا شك فيه أن التاجر لن يستطيع العمل كما يجب وتحقيق النجاح إذا لم يكن لديه بنك شريك يساعده ويدعمه، حتى أن المواطن العادي لن يتمكن من المساهمة في تحريك الاقتصاد بنشاط إذا لم يحصل على قروض مصرفية ميسرة تساعده على شراء منزل أو شقة أو أثاث أو سيارة وغيرها من احتياجات الحياة الأساسية، فالمصارف لديها المال، والمال بالنسبة للاقتصاد بمثابة الدم بالنسبة للجسم، فهو الذي يساعد الأعضاء على البقاء حية تؤدي وظائفها بتناغم كامل.

نحن نرى أن التاجر اليوم بدأ بتخفيض أرباحه حتى يعطي السوق أسعارًا تنافسية، وإلا لن يستطيع البقاء في السوق، فإذا كان التاجر البسيط أو محدود الميزانية قادرًا على تخفيض أسعار بضائعه وتقليل هامش ربحه، فلماذا لا يستطيع البنك تخفيض فوائده؟ هذا سؤال محير بالفعل!

الفوائد على القروض تنخفض الآن في معظم دول العالم، والفائدة في بعض الدول أصبحت سلبية، بمعنى أن المودعين يضطرون لدفع رسوم للبنك مقابل حفظ أموالهم، وذلك لأن الحكومات تريد تحفيز الاقتصاد وتحريك عجلته، ولا تريد أن تتكدس الأموال في البنوك، ويصبح النشاط الاقتصادي والأرباح وهمية، لأن المال لا يمكن أن يلد مالاً.

البنك الاحتياطي الأسترالي خفّض الأسبوع الفائت سعر الفائدة القياسي بمقدار ربع نقطة مئوية إلى مستوى قياسي جديد بلغ 0.75%، وذلك من أجل تحفيز الاقتصاد، وأنا أدرك أن ربط الدينار بالدولار يحد من قدرة مصرف البحرين المركزي على تحريك سعر الفائدة صعودًا أو هبوطًا، لكن المصارف الخاصة يمكنها ذلك بسهولة.

لقد طلبت الحكومة الموقرة من البنوك البحرينية بحسب علمي توفير تسهيلات مصرفية للشركات البحرينية، خاصة الصغيرة والمتوسطة التي تشكل أكثر من 95% من مجموع المؤسسات التجارية في البحرين، ولكن تلك البنوك لم تتفاعل مع هذا الطلب كما يجب، وما زالت شروط القروض لديها صعبة، حيث يجب أن يكون تاريخ الشركة طالبة القرض الطويل، وأن تكون رابحة، وأن يكون لديها ضمانات كبيرة وكثيرة، ونحن نعلم تمامًا أن معظم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا تستطيع تحقيق كل تلك الاشتراطات، ثم نسأل أنفسنا: لماذا تخرج كثير من تلك المؤسسات من السوق؟ الجواب بسيط: لأنها لم تحصل على التمويل اللازم للحفاظ على استمراريتها ونموها.

السيولة متوافرة بكثرة في خزائن البنوك البحرينية، وقد بلغت موجودات القطاع المصرفي أكثر من 192 مليار دولار أمريكي في نوفمبر الماضي بحسب إحصائيات مصرف البحرين المركزي، فلماذا لا يتم تحريك هذه الأموال كما يجب وضخها في شرايين الاقتصاد الوطني؟ 

المفارقة هنا هي أنه عندما تطرح مشاريع البنية التحتية العملاقة في البحرين، مثل توسعة مصفاة بابكو أو مرفأ الغاز المسال أو الخط السادس في ألبا، لا نجد أن كثيرًا من المصارف البحرينية تتشجع للدخول في تمويل هذه المشروعات الوطنية مضمونة العوائد.

جانب من المشكلة يكمن برأيي في قلة الجرأة لدى القائمين على القرار في هذا البنك أو ذاك، وقد سمعت من أكثر من رئيس بنك تنفيذي أنه يعمل بجهد من أجل اقتصار أعمال بنكه على نشاطين فقط: الاستلاف والتسليف، أو الإقراض والاقتراض، كما تبحث البنوك عن أكثر الاستثمارات أمانًا، فتلجأ إلى شراء سندات الخزينة الحكومية ذات العوائد المضمونة 100% مثلاً.

أعتقد أن أمام البنوك البحرينية حتى تستعيد دورها الرائد خليجيًا وإقليميًا حل واحد، هو الاندماج، ومن غير المقبول أن تبقى تلك البنوك تعيش على أمجاد الماضي وتتنافس فيما بينها على اقتسام جزء من كعكة السوق المحلي الصغيرة، والتي ينافسها عليها مصارف إقليمية كبيرة أيضًا.

وقد سمعت مرة من مسؤول مصرفي كبير أنه ما من عائق يقف أمام اندماج بنوك في مملكة البحرين سوى اختلاف عقليات مجالس إدارتها، والرغبة في الزعامة والاستقلالية، ذلك رغم أن مصرف البحرين المركزي وجمعية مصارف البحرين يشجعان على عمليات اندماج المصارف.

المصارف في البحرين عليها أن تنتبه أيضًا لمنافسة غير المصارف لها في توفير السيولة المالية، مثل عمليات التمويل الجماعي Crowdfunding التي نشطت وأصبحت مرخَّصة في دول مثل الإمارات، حيث تتوافر منصة إلكترونية يضع فيها المستثمرين أموالهم من جانب ويحصل المقترضين على قروضهم من الجانب الآخر بيسر وسهولة، وهذا يلغي دور البنك تمامًا، كما أن شركات التقنية بدأت بمنافسة البنوك في تقديم خدمات التحويل المالي عبر الإنترنت «Fintech».

لقد تمكنت البحرين على مدى مائة عام مضت من بناء قطاع مصرفي متقدم على مستوى الشرق الأوسط، ونحن نفخر بالمنجزات التي حققها هذا القطاع طيلة تلك السنوات، ووصول مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من 16%، وتوفيره لنحو 14 ألف وظيفة يشغل معظمها بحرينيون على مختلف المستويات الإدارية، واليوم نرى أن هذا القطاع مطالب بدور أكبر في رسم العلاقة بينه وبين التاجر، والتحلي بالمزيد من الجرأة من أجل تحريك السوق وتحفيز الاقتصاد الوطني. 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا